في الزمن السياسي الصعب الذي تعيشه الأحزاب المغربية، لم تعد كل التحركات تُقرأ بمنطق القناعة أو الاصطفاف الإيديولوجي، بل أصبحت بعض المواقف تُفهم من زاوية المصالح الشخصية، والرهانات المرتبطة بإعادة ترتيب المواقع قبل موعد الاستحقاقات المقبلة. والأخطر من ذلك، أن بعض المنتخبين والنافذين داخل المؤسسات المهنية والتمثيلية، باتوا يستثمرون مواقعهم الحزبية والاقتصادية في ممارسة ضغوطات مرفوضة على مسؤولين حكوميين، تحت غطاء “الدعم السياسي” أو “الوساطة” أو “حماية التوازنات”.
في الكواليس، يتحدث كثيرون عن برلماني نافذ محسوب على حزب التجمع الوطني للأحرار، يشغل في الوقت نفسه رئاسة إحدى الغرف المهنية بمدينة الدار البيضاء، اختار في الآونة الأخيرة اللعب على أكثر من حبل سياسي، عبر التقرب المكشوف من حزب الاستقلال، ليس اقتناعاً بمشروعه السياسي، بل طمعاً في التموضع المبكر داخل خريطة ما بعد انتخابات 2026، على أمل أن يقود حزب الميزان الحكومة المقبلة.
لكن ما يثير القلق ليس فقط هذا التحول “الانتهازي” في الولاءات، بل الأسلوب الذي يُدبَّر به هذا التموضع، عبر استعمال أساليب ضغط وابتزاز سياسي موجهة ضد وزيرة الصيد البحري، في محاولة لفرض مصالح خاصة، وتمرير امتيازات مرتبطة بقطاع حساس ظل لعقود مرتعاً للوبيات الريع والامتيازات.
المثير في هذه السلوكات أن أصحابها لا يتحركون بمنطق الدفاع عن المهنيين أو حماية القطاع، بل بمنطق “إما الاستجابة للمطالب أو فتح جبهات التشويش والتأليب”. وهي ممارسة تسيء أولاً للعمل السياسي، وتضرب في العمق صورة المؤسسات المنتخبة والغرف المهنية التي يفترض أن تكون فضاءً للترافع المسؤول، لا منصات لتصفية الحسابات والضغط على الوزراء والمسؤولين.
لقد أصبح واضحاً أن بعض الوجوه التي راكمت النفوذ داخل عالم المال والأعمال والغرف المهنية، تحاول اليوم إعادة إنتاج نفسها سياسياً باستعمال كل الوسائل الممكنة، بما فيها توظيف العلاقات الحزبية والاصطفافات المستقبلية كورقة ضغط لتحقيق مصالح ضيقة لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
الأخطر أن هذا النوع من “الابتزاز المقنع” يضعف ثقة المواطنين في الأحزاب والمؤسسات، ويعطي الانطباع بأن بعض الفاعلين لا يؤمنون بالدولة ولا بالإصلاح، بل فقط بمواقع النفوذ ومناطق الامتياز. فحين يتحول الانتماء الحزبي إلى مجرد بطاقة عبور نحو الصفقات والمصالح، تصبح السياسة فاقدة لرسالتها النبيلة.
المغاربة اليوم لا ينتظرون من المنتخبين ورؤساء الغرف المهنية الدخول في حروب الضغط والكواليس، بل ينتظرون منهم الدفاع الحقيقي عن القطاعات الإنتاجية، وتقديم حلول لأزمات التشغيل والاستثمار والتنافسية. أما استعمال النفوذ لمحاصرة وزيرة أو مسؤول حكومي فقط لأنه رفض الخضوع لمنطق الامتيازات، فهو سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة بعض “التحالفات الموسمية” التي بدأت تتشكل بعيداً عن أعين الرأي العام.
وفي النهاية، تبقى المؤسسات أقوى من الأفراد، والدولة التي تواجه تحديات كبرى لا يمكن أن تسمح بتحول بعض المواقع التمثيلية إلى أدوات للابتزاز السياسي والاقتصادي. لأن المرحلة المقبلة تحتاج رجال دولة، لا سماسرة مواقع ومصالح.































