بقلم نعمت كرّوم
العودة إلى التفاوض بعد حرب لم تحسم شيئًا
الحرب لم تُغيّر قواعد اللعبة. ما حدث هو تعطيل مؤقت للمعادلة، ثم عودة الأطراف إلى المسار نفسه الذي سبقها، لكن بكلفة أعلى ووقائع أكثر تدميرًا على الأرض.
لم تنتج الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تغييرًا في بنية الاشتباك. الملف النووي عاد إلى مسار التفاوض نفسه الذي كان قائمًا، وخطوط التوتر في لبنان لم تُنهَ بل أُعيد ضبطها. كل ما تغيّر هو مستوى الكلفة، لا اتجاه اللعبة.
حتى داخل الولايات المتحدة، لم يعد النقاش محصورًا بإيران. النقاش انتقل إلى الداخل: لماذا بدأت الحرب أصلًا، وما الذي حققته فعليًا. للمرة الأولى، الحرب تُناقَش كفشل داخل مركز قرارها، لا فقط في نتائجها الخارجية.
إسرائيل تبدو الطرف الأكثر انزعاجًا، لأن الحرب لم تُنتج إعادة تشكيل للتوازن، بل أعادت تثبيت إيران كطرف لا يمكن تجاوزه. ما فشل هو فرضية أن الحرب يمكن أن تفرض واقعًا سياسيًا جديدًا.
لبنان يدفع ثمن حرب لم يقررها
لبنان ليس هامشًا في هذه النتيجة. لبنان في قلبها المباشر. التصعيد، الضربات، التهجير، والانهيار ليست أحداثًا متفرقة، بل مسار واحد مستمر. لبنان لا يُدار خارج الحرب، بل يُعاد إنتاج أزمته داخل كل موجة تصعيد.
لبنان ليس طرفًا في المعادلة. بل هو أثرها المباشر.
وما يكشفه هذا الواقع ليس فقط موقع لبنان في الحرب، بل الطريقة التي يُنظر بها إليه سياسيًا. فمع كل أزمة كبرى يعود السؤال نفسه: من يملك القرار، وأين تُرسم حدوده، ومن يحدد اتجاهه؟
منطق الوصاية لم يسقط
السياسة في لبنان لا تعمل عبر الروايات، بل عبر اصطدام الرواية بالواقع. كل خطاب عن الحسم أو التغيير أو إعادة التوازن يتفكك أمام الوقائع على الأرض.
الرواية تقول شيئًا. الأرض تقول شيئًا آخر. وبينهما تُحسم السياسة فعليًا، خارج النصوص الرسمية وخارج البيانات.
لكن الأخطر ليس الحرب، بل تعريف لبنان نفسه داخل هذا النظام.
لبنان يُختزل في خطاب ثابت: طفل سياسي قاصر يحتاج إلى وصاية دائمة. هذا ليس توصيفًا، بل طريقة في النظر إلى لبنان. ففي هذا التصور لا يُفهم التعثر بوصفه نتيجة صراعات داخلية وتدخلات خارجية معقدة، بل كدليل دائم على عجز يُفترض مسبقًا.
نموذج الوصاية لم يختفِ. تغيّر فقط شكله: من تدخل مباشر إلى ضغط غير مباشر، ومن إدارة سياسية إلى إدارة عبر الحدود.
لا تنظر إسرائيل إلى لبنان وسوريا وإيران كملفات منفصلة، بل كمنظومة اشتباك مترابطة. جنوب لبنان خط تماس مباشر، والبقاع مسار إمداد، والحدود اللبنانية–السورية نقطة تنظيم للحركة والنفوذ. أي تغيير في سوريا أو في مسار التفاوض مع إيران ينعكس تلقائيًا على لبنان، ليس عبر السياسة فقط، بل عبر الجغرافيا الأمنية وشبكات الحركة القديمة.
في الخطاب المنسوب إلى أحمد الشرع، تُطرح فكرة عدم التدخل وإعطاء الأولوية لإعادة بناء الدولة السورية. لكن هذا الخطاب لا يُقرأ في لبنان كتصريح دبلوماسي فقط، بل كإشارة إلى تغير موقع سوريا داخل التوازنات القائمة. سوريا لم تعد تمارس دور النفوذ المباشر كما في السابق، لكنها لم تخرج من المعادلة. موقعها يتبدل مع تبدل المرحلة، وهذا ينعكس مباشرة على الحدود اللبنانية–السورية وعلى شكل الحركة في البقاع.
حزب الله يتحرك داخل بيئة لم تعد هي نفسها التي أنتجته. سوريا تتغير، وإيران تعيد ضبط أولوياتها، والولايات المتحدة تنتقل من منطق الحسم العسكري إلى التفاوض. ما يتغير ليس وجود الحزب، بل الشروط التي كانت تمنحه استمرارية القوة.
إيران لا تتخلى عن نفوذها، لكنها تعيد النظر في طريقة استخدامه. من التوسع إلى ضبط الكلفة، ومن الاشتباك المفتوح إلى إدارة التصعيد. وفي هذا الإطار، تصبح علاقتها بالحلفاء أقل تلقائية وأكثر ارتباطًا بتوازنات تفاوضية أوسع.
في التداول الإعلامي والتحليلي، تُستخدم أحيانًا توصيفات من قبيل «لبنان في قلب النفوذ الإيراني» للإشارة إلى موقعه داخل شبكة نفوذ تمتد من طهران إلى العراق وسوريا ولبنان، حيث تُدار هذه الساحات بوصفها مساحات مترابطة لا ملفات منفصلة. لكن هذا التصور نفسه يخضع اليوم لاختبار جديد مع انتقال إيران من توسيع النفوذ إلى إدارة كلفته.
في لبنان، انتقل النقاش من الخطاب السياسي العام إلى عناصر مادية مباشرة: التمويل، شبكات الدعم، القرض الحسن، وضبط الحدود اللبنانية–السورية، خصوصًا في البقاع. ما يجري هو انتقال من خطاب القوة إلى البنية التي تستند إليها هذه القوة.
في الجنوب، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية. هو مساحة تتقاطع فيها الحرب مع التهجير والاقتصاد وإعادة الإعمار، أي المكان الذي تُقاس فيه نتائج الصراع بعيدًا من الشعارات.
ما بعد الحرب لم يكن خروجًا من النظام القديم، بل عودة إليه بعد محاولة فاشلة لتغييره. النظام نفسه بقي قائمًا، لكن بكلفة أعلى، وبتوازنات أكثر هشاشة، وبهامش أكبر من عدم الاستقرار.




























