مع كل استحقاق انتخابي، تنبعث من رماد الانتهازية كائنات عجيبة لا تعترف ببوصلة الديمقراطية، ولا تؤمن بالمرجعيات التاريخية والأخلاقية. كائنات تتنقل بين مقرات الأحزاب و فضاءات وكلاء اللوائح المحلية كما تتنقل الطفيليات بين الأجسام، ترتدي كل الالوان الحزبية دفعة واحدة، وتتقن الحديث بكل اللغات والخطابات، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن المحافظة إلى الحداثة.
سيناريو هذه المسرحية يتكرر في كل دوائر المملكة، حيث يدخل "السمسار الانتخابي" على مرشح اللائحة بنبرة ملؤها اليقين المزيف، مقدما نفسه كمفتاح للخريطة الانتخابية والمنقذ الذي يملك مفاتيح قلوب وأصوات الساكنة، ينسج قصصا خيالية عن شبكة علاقاته، ونفوذه الميداني، وقدرته العجيبة على توجيه الكتلة الناخبة نحو الصندوق بإشارة واحدة من أصبعه.
لكن خلف هذا القناع الخدوم، تقبع حقيقة واحدة عنوانها "النصب الممنهج وانتزاع كمشة من الورق من الوكلاء".
إن هذه العينات الحربائية لا يهمها ماء الوجه، ولا تقيم وزنا للقيم الإنسانية أو الشرف والحس الأخلاقي. المبدأ الوحيد الذي يحكمها هو "الريع السريع"، والأداة الوحيدة التي تتقنها هي حياكة الخدع والتضليل.
فرسان هذه السلوكيات تجدهم يمارسون النصب على المرشح الأول في الصباح، ليجلسوا في المساء على طاولة منافسه المباشر، يبيعون نفس الوهم بنفس الثمن، دون أن يرمش لهم جفن أو يتحرك فيهم ضمير.
والأدهى من ذلك والأمر، أن هذا السلوك لم يعد يمارس في الخفاء، بل تحول لدى هذه العينات إلى "بطولة" يتفاخرون بها في جلساتهم الخاصة، يتباهون بأساليب الاحتيال التي انطلت على المرشح الفلاني والمرشحة اللفلانية، في انعدام تام لأي نخوة أخلاقية أو عزة نفس. لقد غدا الاتجار بأصوات الناس ومعاناتهم مجرد "شطارة" ومهارة ميدانية تستوجب التفاخر.
إن انتشار هذه الكائنات يعكس في عمقه خواء التنظيمات الحزبية وتخليها عن التأطير الفعلي للساكنة طوال السنة، مما يجعل المرشح يجري وراء السراب والحلول السريعة ليقع فريسة سهلة لهؤلاء النصابين.
إن السمسرة الانتخابية لا تفرغ العملية الديمقراطية من محتواها فحسب، بل تحول المواطن في نظر هؤلاء إلى مجرد "سلعة" تباع وتشترى، مما يعزز عزوف الشباب والشرفاء عن المشاركة السياسية.
المرشح الذي يصل إلى الكرسي عبر الابتزاز والمال والوهم، لن يكون همه غدا خدمة الصالح العام، بل استرجاع ما استنزِف منه داخل "طاحونة" الحملة الانتخابية، لتبدأ دورة الفساد من جديد.
إن المواجهة الحقيقية لهذه "الكائنات الحربائية" لا تتطلب فقط وعيا جماعيا من الناخبين، بل تستوجب حزما أخلاقيا وسياسيا من وكلاء اللوائح أنفسهم، بإغلاق الباب في وجه تجار الوهم.





























