ترجمة: الأستاذة هاجر الجندي
التاريخ: الثالث والعشرون من يوليو 1999. الحدث وفاة الراحل الكبير، الملك الحسن الثاني. في نفس اليوم صعد ولي عهده ووريثه إلى العرش ليصبح الملك محمدا السادس ملكَ المغرب. من المؤكد أن من عاش إبان فترة حكم الملك الحسن الثاني، أحس بشدة هذه الفترة، فقد حكم البلاد بقبضة حديدية، وهل يستطيع أحد لومه في ذلك؟ الملك الحسن الثاني واجه طوال فترة ملكه صعوبات مع كل الفاعلين السياسيين في المغرب، فقد نجا من محاولتين انقلابيتين، ولهذا لم يكن متوقعا ـ مع كل المعارضة التي كان يتوجب عليه مواجهتها ـ أن تمضي فترة حكمه بطريقة سلسة وهادئة. هذه المعارضة كانت تتضمن صنفين مختلفين، الأول كان يملك أجندات تُعتَبَر وتتطلع نحو مزيد من الحقوق والحريات للمغاربة، أما الثاني، فكان يعمل وفق أجندة خارجية ويعارض من أجل المعارضة لا غير، وكل ما كانت تسعى إليه هو الوصول بالبلد إلى مرحلة الفوضى.
الطريقة التي تم بها التعامل مع أولئك المعارضين هي ما ميز مرحلة حكم الملك الراحل. كثيرون في البدء توجسوا من الطريقة التي سيدير بها الملك محمد السادس المغرب. المؤسسة العسكرية كانت تحت المجهر خوفا من انقلاب. أدرك الملك الشاب أن مهمة صعبة كانت في انتظاره، مهمة إقناع شعبه والعالم ـ معاـ بأن عهده سيكون مختلفا عن عهد والده. لم يَرقَ العديد من المراقبين ولا تطلعاتهم ـ وقتها ـ إلى تقدير الملك الشاب كما يستحق. عزيمته القوية في إعادة هيكلة الجهاز السياسي والاقتصادي والاجتماعي كانت محط اختبار وأثبتت قيمتها، إذ كان المغرب حينها على مشارف تحولات جديدة عليه، وعلى وشك الدخول في مرحلة جديدة من تاريخه. الملك الشاب محمد السادس، كان لامعا، عصريا، وأراد أن يحدث إصلاحات رائدة واستشرافية.
في بداية حكمه التزم بوعده وعدل مدونة الأحوال الشخصية المغربية، مما سيصنع تغييرا جذريا في حياة النساء المغربيات، كما أحدث ـ بشكل مدهش ـ هيئة الإنصاف والمصالحة. في ذات الوقت، أبصر الملك محمد السادس حاجة البلاد لتوثيق روابطها بالغرب، وتشجيع الاستثمارات الخارجية في المغرب، وبالأخص في قبلتَي السياحة العالمية مراكش وأكادير، اللتان شهدتا قفزة نوعية في تشييد الفنادق والمنتجعات السياحية. وبالنسبة لسياسة المغرب الخارجية في عهد الملك الجديد، تميز المغرب بعدم إثارة الانتباه سلبيا نحوه. ففي الوقت الذي عرف فيه العالم العربي ارتجاجا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، عرف المغرب وقفة قصيرة انطلق بعدها في عملية إصلاح سياسي. فلم يكن هناك ـ تقريبا ـ ما يشكل مادة دسمة لتقارير الإعلام العربي والدولي على حد السواء. إضافة إلى هذا، في الوقت الذي كانت تعيش فيه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا برمتها غليانا وفق ما يصطلح الآن على تسميته ” الربيع العربي” في 2011، كان المغرب يستقبل مهرجانه الموسيقي السنوي (موازين)! وأكثر من هذا، المغرب لا يتدخل في شؤون الغير.
بالنسبة لدولة تعدادها حوالي الأربعين مليون نسمة، يعتبر المغرب دولة لها تأثير قليل جدا على جيرانها. فالسياسة الخارجية للمغرب ترتبط أساسا بقضية الصحراء. فإذا كانت سياسة تركيا الخارجية هي (لا مشكل مع الجيران)، فسياسة المغرب هي (لا مشكل مع أحد).
مما لا شك فيه أن الملك محمدا السادس طور مفهوما جديدا لملكه، مفهوم خاص به ميزه عن سائر الحكام العرب والأفارقة، مما جعل الكثير من الأمم تتطلع بحسد للمغرب، ويستطيع أي أحد من خلال زيارة العراق، مصر أو سوريا أو حتى الأردن أن يستوعب ما قام به ملك المغرب من إصلاحات. الملك محمد السادس صار أيقونة ومحل إعجاب العالم أجمع، وذلك لحكمته الكبيرة وللأسلوب الذي تخطى به قيظ ”الربيع العربي”.
بعد سنوات حكمه الستة عشر، يظل الملك محمد السادس شخصية شعبية ومحبوبة. ولإدراك ذلك، يستطيع المرء السير وسط أية مؤسسة خاصة كانت أم حكومية، أي منطقة قرية كانت أم مدينة في المغرب وسيحس بحب المغاربة للملك. هو حب أصلي صادق نابع من قناعتهم بأن ملكهم يقوم بكل ما في وسعه لجعل حياتهم أفضل. والأمر ليس إطلاقا حملة صحفية دعائية لجعل الصورة تبدو جميلة. هذا ليس من اسلوب هذا الملك، إضافة لهذا، على الرغم من الفرق الموجود في مستوى الثروة بين الملك الذي يعتبر سابع أغنى ملك في العالم، وبين شعبه، فالكل يحيى فيه كونه (ملك الفقراء). وبخلاف حكام عرب آخرين، لا يقبع الملك محمد السادس في برج عاجي ويدير الدولة من خلال جهاز تحكم عن بعد، كلا، هو يحب أن يتفاعل مع شعبه، وأن يكون أقرب إليهم وأن يطلع منهم على مشاكلهم. هو يحرص أن يراقب ويرصد شخصيا البنية التحتية الكاملة للبلاد، وأن يتابع مجريات كل مشروع يدشنه، للتأكد بأن الخدمات العمومية تُقَدم بشكل لائق. كل سياسات وقرارات الملك محمد السادس تؤكد أن لا مجال حتى لمقارنته بأي حاكم عربي آخر وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُنعت بالبطش. جلب الملك محمد السادس مفهوما جديدا للملكية في المغرب، أدرك تماما أنه لم يكن بالإمكان إسقاط أي نموذج أجنبي على المغرب. استوعب بأن للبلد ما يكفي من الطاقات لكي تكون قادرة وكفئة لإبداع ووضع قوانين خاصة بها، وتشريعات تتلاءم وحاجيات المغاربة وتتماشي مع بنيتهم الاجتماعية والإثنية، بخصوصية تستمدها من موروث المغرب الفريد.
فترة حكم الملك محمد السادس اختبرت بتصاعد المد الإسلامي المتطرف، وبنزاع الصحراء الشائك، وبموجة تغير الحكام خلال ”الربيع العربي” لدول شمال إفريقيا، ونظرا لكون البلد يخطو نحو عقده الثاني من حكم الملك محمد السادس، فأنظار العالم كله متجهة نحو الملك المغربي، وليس أنظار المغاربة فحسب.
لا ننكر أن المغرب بعيد عن تركيز نفسه كنموذج للدولة ”الديمقراطية”، فليس من البسيط تجاوز أحداث الماضي والادعاء بأن شيئا لم يحدث. المشوار طويل، ومشروع دمقرطة المملكة ابتدأ في يوليو 1999.
المشوار الديمقراطي بطيء لكنه ثابت، وعلى المسار السليم، قائدا في الاتجاه الصحيح. ولكل المنتقدين أقول: الصبر ميزة. والملك يقوم بكل ما في وسعه للحفاظ على الانسجام بين كل فئات المجتمع. ليس القصد من هذا التحليل المدح، لكنه شهادة نزيهة من مواطن مغربي ترك المغرب قبل تولي الملك محمد السادس العرش، لكنه لازال محيطا بكل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للوطن. هذا التحليل يتغيى أيضا إلقاء الضوء على مدة حكم جلالته كملك للمغرب. سنوات حبلى بالعديد من الأنشطة الإيجابية، حملت التنمية المستمرة والتطور للمغرب. المشوار طويل، لكن المغرب على الخط الصحيح مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.
الملك محمد السادس ملك شاب .. لكنه ملك جيد
د.بنيعيش مؤسس جمعية (المجتمع الأكاديمي) بواشنطن
وهذا هو النص الاصلي :
https://freemindthinker.wordpress.com/2015/07/30/how-king-mohammed-vi-reshuffled-monarchy-in-morocco/





























