لهفي عليكَ يا شِعرُ ، ما أكثر مُدَّعيكَ ، ودونهم وما يدَّعون خرط القتاد ، وهم كما يقول ـ مجنون بني عامر ـ :
وكل يدَّعي وصلًا بليلى
وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا
ودائما ماأردّد في قرارة نفسي كلما حضرت ـ مايطلق عليه زورا وبهتانا ـ لقاء شعريا ، أين الشعر في كل هذه الضوضاء ؟
قد أسمع وأرى كل شي من تمطيط الجُمل ، واللحن النحوي الفظيع ، وترديد اللازمات ، وتعابير الوجه ، وإيحاءات الأيدي ، وحتى تمايل القدود ، مما يوحي للمُلقي أو المُلقية بأنه يقول شيئا ذا فائدة أمام التصفيق المجاملاتي الذي يدفع المسكين أو المسكينة إلى الى الزهو والتمايل ، وربما إلى الغرور أحيانا ،
في أغلب الملتقيات الموسومة ـ بالمهرجانات واللقآت والأمسيات الشعرية ـ يحضر كل شيء ، الشاعر الفلاني ، والشاعرة المبدعة الغنية عن كل تعريف ، ـ النقد المتملق ، الشهادات التقديرية ، والتكريمات المُملة ، والصور الفردية والجماعية ـ بينما يغيب الشعر المسكين ، والشعراء الحقيقيون المنبوذون والمهمشون ، قد أعلم أن هذا لا يستسيغه الكثيرون ، لكنها الحقيقة التي تفرض نفسها ، أمام هذه الإعاقة التي أصابت الجميع إلا من رحم الله ممّن ملك ناصية القوافي ، وجال في متاهات الزحافات والعلل .
استغرب وأتساءل ـ وهذا من حقي وحق كل غيور على الشعر المتين الرصين ـ لماذا كل هذا التهافت على الشعر من طرف فصيلة ليس بينها وبين الشعر إلا الخير والإحسان ، وكيف يمكن أن يلقب بشاعر من لم يكتب ـ في مسيرته الإبداعية كما يدعي ـ بيتا شعريا يتيما خاليا من الكسور العروضية ؟
قد يصاب المرء بالذهول من كثرة ما يسمى بالشعراء في الساحة الأدبية ، وأرتال الدواوين الشعرية التي تحمل بين طيات أوراقها كلاما لا علاقة له بالشعر من قريب أوبعيد ، إلا أن تملأ محافظ أهل دور النشر ، والطامة الكبرى أن النقد كذلك نزل به أشباه النقاد إلى الحضيض ، وقد أصبح في نظرهم نياشين وأوسمة تعلق على صدور منتجي التفاهة لغاية لا يدركها سواهم ، بينما يبتعدون عن النقد البناء مسافات ضوئية .
فعندما يفتقد الكلام إلى مقومات الشعر من وزن وقافية وعروض ، ومحسنات بديعية ، وصور جمالية ،وبلاغة ملموسة ، وخيال جامح ، وإيقاع موسيقي متناسق ، فلا يمكن ـ مهما كانت التبريرات أو الحذلقات ـ أن يكون شعرا ، لأن الشعر بسموه وجلالة قدره وارتقاء معانيه ، وجرسه الموسيقي ، يعلو مراتب ومراتب عن هذه السفاسف التي يسوقها هولاء على أنها شعرٌ ، ويلجؤون إلى التبريرات الواهية التي تفضح عجزهم وجهلهم بمقومات الشعر العربي الأصيل ،
أحيانا يكسر هؤلاء آذاننا : بأن الوزن والقافية ليستا ضروريتن لكتابة الشعر ، وأن الشعر شعور واسع وخيال جامح ، نعم هو كذلك لكن في قالب عروضي يضبط زحافاته وعلله ، ومن لم يتوفر على هذه الصنعة ـ إذا كان مغرما بالكتابة الإبداعية ـ فليكتب ـ خواطر ـ ويعنون بها إصدارته إن كان أصدر شيئا ، إذ الخاطرة في حد ذاتها إبداع لا يقل مستوى عن الشعر ، وإن كان هذا الأخير يفوقها بمميزاته الكامنة فيه منذ العصور الجاهلية المتقدمة ،
وقد يظن البعض أن الشعر الحر ـ شعر التفعيلة ـ يعد حائطا قصيرا سهلا يمكن الركوب عليه لبلوغ الهدف في كتابة مقطوعة اوقصيدة ، لكن ليس الأمر كذلك ، لأن المقَّعِّدين لهذا النوع وضعوا له قواعد وضوابط ، لايمكن الخروج عنها لمن أراد أن يبحر حرا ، وإن كان بعض الشعراء ـ العقاد مثلا وغيره ـ لا يلتفتون إلى هذا النوع ولا يعتبرونه شعرا، وقد تنبهت رائدة الشعر الحر ـ نازك الملائكة ـ إلى ما يمكن أن يجره شعر التفعيلة على الشعر الحقيقي ، إذ كتبت في سنة 1954 في مجلة الأديب قائلة “إن حركة الشعر الحر ستتقدم في السنين القادمة حتى تبلغ نهايتها المبتذلة، فهي اليوم في اتساع سريع وصاعق، ولا أحد مسؤول عن أن شعراء قليلي المواهب، ضحلي الثقافة سيكتبون شعرا غثا بهذه الأوزان الحرة” .
أما ما يسمى مؤخرا ب ( قصيدة النثر ) فتلك ثالثة الأثافي ، وقاصمة الظهر ، والكلام عليها ذو شجون ، ولا أدري كيف تجرأ رواد هذا النوع ، على مصطلح ـ قصيدة ـ التي تعني الشعر بعينه ، بكلام منثور ....
إبراهيم موساوي .... 15 2 2026
























