في 23 يوليوز 1999، لم يفقد المغرب مجرد ملك، بل ودّع أحد أعمدة شرعيته التاريخية ومؤسس توازناته الحديثة. وقد مثّل ذلك اليوم، في الذاكرة الوطنية، لحظة مفصلية نادرة، تجلّى فيها التلاحم بين الدولة والمجتمع، وانكشفت خلالها الروح الجمعية التي كوّنت هوية المغاربة السياسية والعاطفية.
أنا نجيب الأضادي، كنت حينها طالبًا في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وأعاين عن كثب وقع ذلك الحدث الجلل على الوعي الجماعي داخل الجامعة وخارجها. لم تكن ردود الأفعال آنية أو عفوية فحسب، بل كانت تعبّر عن عمق التصاق المجتمع المغربي بشخصية الحسن الثاني، وبالنموذج السياسي الذي أسّسه طيلة أربعة عقود.
لقد كان مشهد الإذاعة والتلفزة الوطنية وهي تبث القرآن الكريم لساعات، قبل إعلان الوفاة، إيذانًا بأن لحظة استثنائية بصدد التشكل. وما إن خرج ولي العهد آنذاك، جلالة الملك محمد السادس، ليتلو بيان النعي، حتى أدركنا ـ نحن الطلبة ـ أن المغرب قد دخل عهدًا جديدًا، عنوانه الاستمرارية في قلب الحزن، والانتقال في لحظة الفقد.
جنازة الحسن الثاني، التي وُصفت بجنازة القرن، لم تكن فقط مناسبة بروتوكولية رسمية، بل كانت كذلك لحظة اعتراف عالمي بمكانة المغرب، وبعبقرية الراحل. حضور قادة العالم من مختلف القارات، والبث المباشر على شاشات القنوات العالمية الكبرى، لم يكن فقط لإكرام الراحل، بل لإدراك عمق الأثر الذي خلّفه في محيطه الإقليمي والدولي.
أما المشهد الداخلي، فقد كان أكثر تعبيرًا عن نضج الشعب المغربي في ممارسته للحزن الجمعي. لم نشهد انفلاتًا، بل مظاهر تكافل وتعاطف شعبي، سادها الوقار، وسِمتها الوحدة. بدا الوطن، كما لو أنه عائلة واحدة فقدت ركيزتها الأساسية، وبحثت في نفسها عن مصادر التماسك.
من منظور طالب جامعي ، شكلت تلك اللحظة أيضًا درسًا عمليًا في استمرارية الدولة ومفهوم الشرعية. فقد مثّل الخطاب الأول لمحمد السادس، بصفته ملكًا، خطاب تأسيس وطمأنة، خاطب فيه العاطفة الوطنية، كما كرّس المبادئ المؤسسة للملكية الدستورية المغربية، مكرّسًا الشرعية بالتوارث والبيعة والانخراط في التحول.
لقد كان ذلك اليوم بمثابة اختبار سياسي وشعبي للدولة المغربية، اختبارٌ نجحت فيه ليس فقط بالمؤسسات، بل بالناس. وهو ما يجعل من 23 يوليوز 1999 أكثر من مجرد ذكرى وفاة، بل لحظة تأريخية نَسج فيها المغاربة، بوعيهم الجماعي، استمرار دولتهم، وفتحوا بوابة عهد جديد بقيادة شابة.



























