بناء مغرب قوي لا يتحقق بتكديس الشعارات ولا بترديد العبارات الجاهزة، بل بترسيخ قيمة واحدة جامعة اسمها المواطنة الحقة. غير أن الواقع يكشف، للأسف، أن هذه القيمة ما تزال محل اختبار داخل عدد من مؤسساتنا، حيث تتسع الفجوة بين ما يرفع من شعارات وما يمارَس فعليا في التعامل مع المواطن، في تعارض صريح مع روح الدستور الذي ينص على المساواة، والكرامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
تعلق على واجهات مؤسسات عديدة عبارة واحدة تكاد تكون موحّدة:
“… في خدمة المواطن”.
نقرأها في المحاكم حيث يفترض أن القضاء في خدمة المواطن، ونجدها في مخافر الشرطة حيث يقال إن الأمن في خدمة المواطن، وتتكرر في الإدارات العمومية باختلاف تسمياتها. شعار واحد يتنقل بين المؤسسات، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: عن أي مواطن نتحدث؟
هل عن المواطن الذي يستقبَل بوجه عابس؟
أم ذاك الذي يدفع من شباك إلى آخر؟
أم الذي يطالَب بالصبر بدل حقه، وبالانتظار بدل الإنصاف؟
حين يتحول الشعار إلى واجهة صامتة، وتفرّغ الخدمة من معناها الإنساني والقانوني، تصبح المساءلة فعلا وطنيا مشروعا، لا تشكيكا ولا مزايدة.
لقد أصبح المواطن المغربي، بمرارة صادقة، يختزل انتظاراته في عبارة شعبية متداولة:
“الله يجيب لي يفهمنا وميّعطينا والو”.
وهي عبارة تختصر أزمة ثقة عميقة، لا تعبّر عن طلب امتياز، بل عن حاجة بسيطة إلى الفهم، والإنصات، والاحترام.
نحن اليوم في حاجة ماسة إلى مسؤولين حقيقيين، لا إلى مواقع تدار بعقليات متعالية. مسؤولين يدركون أن الإدارة وجدت لخدمة المواطن لا لإرهاقه، وأن الإنصات الذكي، والتعاطف الإنساني، والكلمة الطيبة، ليست ضعفا في السلطة، بل قوة في التدبير. فسياسة “أنا وبعدي الطوفان” لم تعد سلوكا فرديا معزولا، بل خطرا صامتا يهدد الثقة العامة.
المدن الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء، تعيش تحت ضغط يومي خانق: ضجيج لا يهدأ، اكتظاظ في المحاكم والسجون، ضغط في المستشفيات والأسواق، وأعصاب مشدودة على حافة الانفجار. وفي خضم هذا الواقع، يصر بعض المسؤولين على التعامل مع المرافق العمومية وكأنها ملكيات خاصة، تدار بالمزاج لا بالقانون، وبالنفوذ لا بروح الخدمة العمومية.
كفى من هذا العبث.
آن الأوان للتشمير عن السواعد، بدل الغوص في التفاهة وكشف أعراض الناس و التنمر على الشرفاء، فالوقت مناسب للعمل الجاد على القضاء على النفاق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري. مغرب الغد الذي نريده هو مغرب قوي بمؤسساته، عادل في قراراته، وإنساني في ممارساته، خال من العقد النفسية، ومحصن بثقافة المحاسبة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار المجهودات المبذولة ولا الحملات المتواصلة لمحاربة الفساد. غير أن الواقع يؤكد أن المفسدين كثر، وينبتون كالفطر، خاصة حين يضعف الردع أو يساء استعمال السلطة. وكما يقول المثل الشعبي المغربي:
“الفالطة بالكبوط”،
فالخلل في الأساس، لا في التفاصيل.
لهذا، على بعض المسؤولين أن يتوقفوا عن الغناء حسب الهوى، وأن يدركوا أن زمن الاستهانة بعقل المواطن قد انتهى، وأن بناء مغرب قوي لا يمر إلا عبر خدمة فعلية للمواطن، لا عبر شعار معلق.
اللهم إني بلغت.
وحفظ الله المملكة.




























