بقلم نعمت كرّوم
تبدو التصريحات الصادرة من طهران وواشنطن وكأنها تتحرك في اتجاهات متناقضة: مفاوضات نووية، تهديد عسكري، وحديث عن انفتاح اقتصادي مشروط. لكن هذا التناقض لا يعكس ارتباكًا، بل يكشف نمطًا واحدًا في إدارة الصراع، يتداخل فيه الضغط والتفاوض والتهديد ضمن مسار واحد: إعادة تشكيل سلوك الدولة الإيرانية دون الذهاب إلى إسقاطها.
العقوبات الأمريكية، منذ عهد دونالد ترامب واستمرارها بأشكال مختلفة لاحقًا، لم تُسقط النظام الإيراني. لكنها أعادت ترتيب بنيته الداخلية: ضغط اقتصادي حاد، تضخم مزمن، واتساع دور المؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري، في إدارة ملفات تتجاوز البعد العسكري إلى الاقتصاد والسياسة. وفي المقابل، يُترك الخطاب الرسمي ليحمل الخارج مسؤولية الانكماش الداخلي، ويُعاد تقديم الأزمة بوصفها نتيجة ضغوط خارجية لا نتيجة اختلالات داخلية.
لكن فشل الضغط الأقصى لم يُنهِ الفكرة الأساسية في واشنطن: كيف يمكن تغيير سلوك النظام دون إسقاطه؟
وهنا يُطرح خيار آخر: الانفتاح الاقتصادي المشروط، وإعادة إدماج جزئي لإيران في النظام الدولي مقابل تعديل في سلوكها الإقليمي والنووي.
داخل إيران، لا يظهر الانقسام بوصفه صراعًا بين إصلاحيين ومحافظين، بل كصراع داخل تعريف الدولة نفسها.
تيار داخل المؤسسات الاقتصادية والإدارية، يرى أن الإنفاق الخارجي من دعم حلفاء إقليميين إلى تمويل شبكات النفوذ في العراق وسوريا ولبنان تحوّل إلى عبء مباشر على الاقتصاد الداخلي. هذا التيار يتعامل مع الواقع بلغة أرقام: تضخم، تراجع العملة، وضغط معيشي يومي.
في المقابل، الحرس الثوري يعتبر أن النفوذ الإقليمي ليس كلفة، بل جزء من بنية الدولة، بل جزء من تعريف قوتها نفسها
في موازاة ذلك، لا تتعامل الولايات المتحدة مع الملف الإيراني كمسار واحد. العقوبات ترفع الكلفة، التفاوض يفتح نافذة مشروطة، والتهديد العسكري يبقى حاضرًا كأداة ردع. لكنها ليست أدوات منفصلة، بل منظومة واحدة تعمل بمنطق واحد: إعادة ضبط السلوك السياسي للدولة الإيرانية، لا مجرد مواجهتها.
هنا يصبح الخلاف أعمق من السياسة اليومية: إنه خلاف حول وظيفة الدولة وهوية الجمهورية الإسلامية.
الصراع حول إيران ليس صراعًا على بقاء النظام أو سقوطه، بل على شكل الدولة داخل نظام القوة العالمي، وعلى وظيفتها بين النفوذ الإقليمي والضغط الاقتصادي.
حتى تصريحات من داخل المؤسسات الاقتصادية، مثل البنك المركزي، بدأت تعكس انتقالًا من خطاب الشعار إلى خطاب الكلفة والمصلحة.
في النهاية، لا يتعلّق ما يجري داخل إيران بقدرتها على البقاء أو الانهيار، بل بطريقة إعادة تعريف وظيفتها تحت الضغط.
فما يتشكّل ليس مجرد توازن جديد بين الداخل والخارج، بل إعادة تركيب لبنية واحدة تتغير من داخلها: اقتصاد تحت ضغط دائم، بنية أمنية تتوسع في الاقتصاد والسياسة، وخطاب رسمي يعيد تفسير الكلفة بوصفها نتيجة ضغوط خارجية.
لكن جوهر الصراع لا يبقى في إدارة السياسات اليومية، بل في سؤال واحد يتقدم على كل ما عداه: أي منطق سيحكم الدولة نفسها—منطق النفوذ والأمن، أم منطق الاقتصاد وإدارة كلفة البقاء؟
وهكذا لا يعود السؤال: هل تتغير إيران؟ بل أي إيران تُنتَج داخل هذا الاشتباك بين الإيديولوجيا والمصلحة، وبين الضغط الخارجي وإعادة ترتيب الداخل.
والجواب لا يُكتب في السياسة… بل في شكل الدولة الذي يُفرض تحت الضغط.



























