في الكواليس الهادئة للمحطة الجهوية للإذاعة و التلفزة /عين الشق/ ، قبل أن تتحول إلى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، اشتغل رجال لا يظهرون على الشاشة، لكن بصمتهم ظلت محفورة في ذاكرة المتلقي. من بين هؤلاء، يبرز اسم محمد ضريف، ضابط الصوت الذي آمن بأن الجودة لا تُرى فقط، بل تُسمَع… وأحيانًا تُحَسّ في الصمت.
لم يكن محمد ضريف مجرد تقني يراقب المؤشرات ويتابع مستويات الصوت، بل كان فاعلًا إبداعيًا يدرك أن الصوت جزء من المعنى، وأن أي خلل سمعي كفيل بتقويض صدقية الصورة. لذلك ارتبط اسمه في أوساط زملائه في المهنة باليقظة والدقة والانتباه للتفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها إلا من امتلك أذنًا مهنية وذائقة جمالية عالية.
في الاستوديو، كان حضوره هادئًا، يكاد لا يُسمع، لكنه حاضر في كل ذبذبة صوتية. يلتقط النَّفَس الزائد، يراقب توازن الحوار مع الموسيقى، ويُدرك متى يجب أن يتراجع الصوت ليمنح الصورة حقها الكامل. هكذا اكتسب وصف “ضابط الصوت الذي يبدع في الصمت”؛ صمت التركيز، وصمت احترام العمل، وصمت من يعرف أن الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج.
خلال البث المباشر، حيث يُختبر الاحتراف الحقيقي، كان محمد ضريف مثالًا للهدوء وضبط النفس. أعطال مفاجئة، تغييرات آنية في الإخراج، أو ظروف تقنية غير متوقعة، كلها مواقف واجهها بثبات جعل منه عنصر اطمئنان داخل غرفة التحكم، لأن ضابط الصوت، في مثل هذه اللحظات، هو خط الدفاع الأخير عن جودة البث.
ولم يكن حضوره مقتصرًا على البرامج أو العمل داخل الاستوديو، بل امتد بقوة إلى الدراما التلفزيونية منذ نهاية سبعينات القرن الماضي. كانت البداية مع شريط «اثنان ناقص واحد» للمخرج الكبير مصطفى الدرقاوي، الذي أُنجز باستوديوهات محطة عين الشق، ولعبت أدواره الرئيسية أسماء وازنة مثل الراحلين سعد الله عزيز ومحمد مفتاح، إلى جانب ثلة من الممثلين المغاربة. عمل مبكر شكّل مدخل محمد ضريف إلى عالم الدراما، ورسّخ حضوره كضابط صوت قادر على مرافقة الصورة في أصعب لحظاتها التعبيرية.
تواصل هذا المسار مع سلسلة “صور عائلية” لنفس المخرج ،مصطفى الدرقاوي، من بطولة عزيز الفاضلي وآخرين، ثم مع مسلسل من إخراج أحمد حيضر، شارك فيه عدد من كبار ممثلي الرباط، من بينهم الدغمي، البصري، حكم، زهور السليماني، إلى جانب زملاء لهم من الدار البيضاء، في تجربة درامية أكدت قدرة محمد ضريف على التكيف مع تنوع المدارس الإخراجية والتمثيلية.
وفي نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، أشرف على الصوت في مسلسل “المدعوون” للمخرج مصطفى الخياط، وهو عمل درامي مقتبس من روائع أغاثا كريستي، شارك فيه ممثلون بارزون من قبيل الحبشي الداسوكين، الصقلي، التسولي، فتيحة وشاي وغيرهم، حيث كان للصوت دور أساسي في خلق أجواء التشويق والغموض.
كما اشتغل في مسلسل “على طريق السكة” للمخرج الزوغي، الذي أدّى فيه أدوارًا محورية كل من عبد اللطيف هلال، عبد القادر مطاع، حسن الفد، إلى جانب ممثلين من مدينة مراكش التي احتضنت تصوير هذا العمل، وهو ما تطلب خبرة خاصة في التعامل مع الفضاءات الخارجية.
وتواصل العطاء مع المخرجة فريدة بورقية في سلسلة “الدار لكبيرة”، بمشاركة عبد القادر مطاع، السعدية أركون، صلاح الدين بنموسى، بوحمالة وآخرين، ثم في مسلسل “أولاد الناس” الذي جمع أسماء مثل الداسوكين، مطاع، السعدية بعدي، التسولي ( جنيور )، حيث برز مجددًا حسه العالي في ضبط الإيقاع الصوتي داخل الدراما الاجتماعية.
وفي نهاية التسعينات، كان محمد ضريف حاضرًا في مسلسل “دوائر الزمن”، الذي شارك فيه محمد البسطاوي، فاطمة وشاي، عبد القادر مطاع وآخرون، مؤكّدًا استمرارية حضوره في الأعمال الكبرى، وقدرته على مواكبة تحولات الدراما التلفزيونية المغربية عبر العقود.
تقنيًا، أتقن محمد ضريف التعامل مع طاولات المزج، والميكروفونات، وأنظمة التسجيل والبث، لكنه تجاوز الجانب التقني الصرف. فقد تعامل مع الديكور داخل الاستوديو باعتباره عنصرًا مؤثرًا في جودة الصوت، مدركًا أن الفضاء ليس خلفية محايدة بل مكوّنًا سمعيًا بامتياز. وخارج الاستوديوهات، في الأعمال الدرامية، أظهر قدرة عالية على تكييف الصوت مع الفضاءات المفتوحة، دون الإخلال بإيقاع السرد أو صدقية المشهد.
آمن محمد ضريف بالتثقيف الذاتي، وجعل من التعلم المستمر منهجًا مهنيًا. لم يتوقف عند ما تعلمه في بداياته، بل واكب التحولات التقنية بروح الباحث والممارس، واضعًا العمل في مرتبة القداسة، ومعتبرًا المهنة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة.
في المحصلة، يمثل محمد ضريف نموذج ضابط الصوت الذي جمع بين الخصال الإنسانية والمهارات التقنية، وبين الصرامة المهنية والحس الجمالي. هو واحد من أولئك الذين صاغوا الذاكرة السمعية للتلفزيون المغربي من وراء الزجاج، مؤكدًا أن الصوت الواضح أساس الثقة، وأن الصمت المتقن قد يكون أبلغ أشكال الإبداع.
دار بوعزة في 25 يناير 2026































