بين تدبير الشأن المحلي وتمثيل الأمة… حين يختلط النقاش السياسي...
في الآونة الأخيرة، أصبحت بعض الصفحات والمنابر تطرح أسئلة تبدو في ظاهرها عادية ومشروعة من قبيل: “ما رأيكم في أداء النائب البرلماني فلان؟” أو “هل يستحق البرلماني الحالي تجديد الثقة؟”.وهو نقاش طبيعي وصحي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، لأن تقييم أداء المنتخبين ومساءلتهم يظل جزءاً أساسياً من الممارسة الديمقراطية.
غير أن الملاحظ هو أن هذا النقاش سرعان ما ينزلق أحياناً نحو خلط غير دقيق بين مستويين مختلفين تماماً في العمل السياسي؛ إذ يتم إدخال أسماء رؤساء جماعات ترابية ضمن نفس المقارنة، لتبدأ موجة من التفاعل يغلب عليها الطابع المحلي والعاطفي أكثر من أي تقييم موضوعي لطبيعة المهام والمسؤوليات.
فنجد مثلاً من يقول: “هذا الرجل ناجح في تدبير جماعته، وهو أفضل رئيس جماعة، لذلك يستحق أن يكون برلمانياً”. ثم يتحول النقاش تدريجياً إلى نوع من الاصطفاف والتعصب المحلي من طرف أنصار المدينة أو الجماعة التي يسيرها ذلك المنتخب، وكأن الأمر يتعلق بمنافسة داخل مجال ترابي ضيق، بينما الانتخابات التشريعية لها منطق مختلف تماماً.
وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية:تدبير الشأن المحلي داخل الجماعة له خصوصياته وإكراهاته، ويرتبط أساساً بالقرب من المواطن، وتتبع الخدمات اليومية، ومعالجة الإشكالات المرتبطة بالبنية التحتية والإنارة والنظافة والتعمير وغيرها من القضايا المحلية. أما تمثيل الأمة داخل مجلس النواب فهو مستوى آخر من المسؤولية، يقوم على التشريع، والترافع عن قضايا الإقليم والوطن، وممارسة الرقابة على العمل الحكومي، والمساهمة في النقاش العمومي الوطني.
ولا يمكن في المقابل إنكار أن النجاح في تدبير الشأن المحلي، وما يرافقه من حضور ميداني وقرب من المواطنين، يظل رصيداً سياسياً مهماً لأي منتخب، لأن الثقة الشعبية لا تُكتسب بسهولة. فالرئيس الذي ينجح في تدبير جماعته ويحقق تواصلاً إيجابياً مع الساكنة، من الطبيعي أن يُنظر إليه كاسم قادر على لعب أدوار أكبر. غير أن هذا المعطى، رغم أهميته، يبقى جزءاً من معادلة أوسع، لأن العمل البرلماني لا يقوم فقط على الشعبية المحلية، بل أيضاً على الكفاءة الترافعية والتشريعية والقدرة على تمثيل مختلف مكونات الدائرة الانتخابية.
لذلك، فإن نجاح شخص ما في تدبير جماعة معينة لا يعني بالضرورة أن معيار الاختيار يجب أن يبنى فقط على الشعبية المحلية أو على حجم التأييد داخل مدينة بعينها، لأن الدائرة الانتخابية تضم جماعات ومناطق متعددة، ولكل منها انتظاراتها وتوازناتها وحساسياتها المختلفة.
كما أن اختزال النقاش السياسي في منطق “من الأقوى محلياً” قد يحجب سؤالاً أهم وأكثر عمقاً:ما هو الفريق الذي يستطيع تمثيل الإقليم بشكل متكامل ومنسجم؟
فالمرحلة اليوم لا تحتاج فقط إلى أسماء تحظى بالشعبية داخل مجال ترابي محدد، بل تحتاج إلى رؤية جماعية قوامها التكامل بين المؤسسات والأدوار. حزب قوي هو الذي ينجح في تقديم كفاءاته في الجماعات الترابية، والمجالس الإقليمية، والجهة، والغرف المهنية، وكذلك داخل البرلمان، بحيث يشتغل الجميع ضمن تصور موحد يخدم الساكنة من مواقع مختلفة وبأدوار متكاملة.
إن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في سؤال: “من يترشح؟”، بل في سؤال أكبر وأعمق:كيف نبني فريقاً سياسياً قوياً ومنسجماً، قادراً على الدفاع عن قضايا الإقليم، والترافع عنها محلياً وجهوياً ووطنياً، بعيداً عن الحسابات الضيقة ومنطق التعصب المحلي؟
لأن السياسة في النهاية ليست سباق شعبية، بل مسؤولية جماعية تقتضي وضوح الرؤية، وتكامل الأدوار، وحسن اختيار الكفاءات وفق ما تحتاجه كل مؤسسة من مؤهلات وقدرات.
بقلم عادل المشتي






























