عودة إلى استوديوهات عين الشق، بالمحطة الجهوية للإذاعة والتلفزة المغربية، حيث لا تُصنع الصورة فقط أمام الكاميرات، بل في ما يسبقها من عرق صامت، وتفاصيل صغيرة، وأيد تتحرك خارج مجال الضوء.
هنا، تتجلى التلفزة باعتبارها فعلاً اجتماعياً قبل أن تكون منتوجا تقنيا،بناء جماعيا تتكامل فيه الأدوار، ويتحول فيه كل فرد إلى خيط داخل نسيج أكبر.
من منظور سوسيو-إعلامي، لا يمكن فهم العمل التلفزيوني باعتباره موهبة فردية معزولة. إنه سيرورة تفاعلية، شبكة من العلاقات المهنية والإنسانية، حيث تتوزع المسؤوليات وتصان الثقة ويحترم الزمن.
داخل هذا الجسد الجماعي، يفقد الجهد الفردي معناه إن لم يُسند بجهود الآخرين، ويصبح النجاح انعكاسا لذكاء جماعي يُؤمن بأن كل تفصيل، مهما بدا هامشيا، يسهم في صناعة الصورة الكبرى.
في هذا السياق، يبرز اسم المحجوب الكول، أو كما يحلو للجميع مناداته بمحبة: “با حجبان”.
ليس نجما يطل على الشاشة، ولا صوتا يصدح في الأثير، ولا مخرجا أو مصورا يحمل توقيعه على عملٍ ما. ومع ذلك، يكاد يجمع كل من اشتغل معه على حقيقة واحدة: الرجل بنص كلمة
سائق في الظاهر، نعم. لكن في العمق، حلقة محورية في العمل اليومي ،كان حضوره يعني احترام المواعيد، وتأمين التنقلات، وضبط الإيقاع الخفي الذي يقوم عليه العمل اليومي داخل المحطة.
كان يدرك، بفطرته المهنية، أن الزمن في التلفزة ليس مجرد ساعات، بل التزام أخلاقي تجاه الفريق والجمهور معاً.
غير أن ما يميز المحجوب الكول أكثر من أي شيء آخر، ليس فقط تفانيه في أداء مهامه، بل دماثة خُلقه، وصفاء سريرته، و لعل اللقب الذي التصق به بين زملائه،"فم بلا عار”،عبارة تختصر سيرة رجل عُرف بالصدق، ونظافة اللسان، ونُبل المعشر.
لم يكن كثير الكلام، لكنه حين يتحدث، يتحدث بميزان. وحين يعد، يفي، وحين يُسند إليه أمر، ينجزه بإخلاص لا يطلب مقابلا سوى راحة الضمير.
في الفضاء المهني بعين الشق، لم يكن المحجوب مجرد موظف يؤدي وظيفة، بل كان جزءاً من الذاكرة الحية للمكان. حضوره كان يبعث الطمأنينة، ويؤسس لعلاقة عمل قائمة على الاحترام المتبادل.
لقد جسّد نموذج الرجل الذي يذيب ذاته داخل الجماعة، ويجعل من المهنة ممارسة أخلاقية قبل أن تكون تقنية.
هذا البورتريه لا يحتفي بفرد معزول، بل يستحضر رمزا من رموز العمل الجماعي داخل استوديوهات عين الشق. فحين نتأمل مسار المحجوب الكول، نكتشف أن الصورة التلفزيونية لا يصنعها فقط من يظهرون أمام العدسات، بل أيضاً أولئك الذين يشتغلون في الظل، حاملين معهم قيما تُغذي الروح المهنية: الصدق، التفاني، الحياء، والإخلاص.
هكذا، في يبقى “با حجبان” في. أكرة استوديوهات عين الشق أكثر من اسم في لائحة الموظفين؛ يبقى عنوانا لمرحلة، ووجها من وجوه ذلك الذكاء الجماعي الذي لا يُختزل في توقيع فرد، بل يُنسب إلى رجال آمنوا بأن الشرف في العمل، وأن الأثر الحقيقي يُترك في القلوب قبل الشاشات.
أطال الله في عمرك ، الرجل الطيب و متعك بالصحة و راحة البال ، يا رب .
دار بوعزة صباح يوم
12/2/2026
أحمد أكلكيم































