في كل تظاهرة كبرى تُنظم تحت يافطة “الدولي” وتستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر من المال العام، يُفترض أن يكون احترام الإعلام جزءاً من البنية التنظيمية، لا تفصيلاً ثانوياً يُترك للاجتهاد أو المزاج. غير أن ما يطفو إلى السطح من ملاحظات متكررة حول غياب فضاءات مهنية مخصصة للصحفيين داخل بعض المعارض، يعيد طرح سؤال جوهري: كيف يُمكن لتظاهرة عمومية أن تُدار دون الحد الأدنى من شروط العمل الإعلامي الاحترافي؟
داخل هذا السياق، يبرز النقاش حول المعرض الدولي للورد العطري بقلعة مكونة، ليس من باب التشكيك في قيمته أو رمزيته، بل من زاوية تدبير العلاقة مع الجسم الصحافي، خصوصاً عندما يتم اختزال حضوره في “مساحة أمام العموم” بدل توفير غرفة إعلام مجهزة تليق بطبيعة الحدث ومستواه.
المسألة هنا ليست ترفاً تنظيمياً ولا مطلباً فئوياً، بل هي جزء من أبسط شروط الحكامة في تدبير التظاهرات العمومية. فالإعلام ليس ديكوراً مكملاً للحدث، بل هو شريك في صناعة صورته ونقل تفاصيله وتوثيق مجرياته للرأي العام. وأي تقليص من شروط عمله ينعكس تلقائياً على جودة التغطية، وبالتالي على صورة المعرض نفسه.
من الناحية القانونية، لا يوجد نص يُلزم صراحة بإحداث “غرفة صحافة” مجهزة داخل كل معرض. لكن غياب النص لا يعني غياب المبدأ. فالدستور المغربي واضح في تكريس حرية الصحافة وحق الولوج إلى المعلومة، كما أن منطق تدبير المال العام يفرض أعلى درجات الشفافية والانفتاح، وليس تدبيراً انتقائياً لولوج الإعلاميين.
بل إن الأعراف المهنية الدولية تعتبر “Press Room” أو المركز الإعلامي جزءاً أساسياً من أي تظاهرة ذات بعد وطني أو دولي، لما يوفره من شروط عمل أساسية: فضاء للكتابة، اتصال، متابعة مباشرة، وأدوات تقنية تُمكّن الصحفي من أداء مهامه في ظروف لائقة.
لكن حين يُختزل الحضور الإعلامي في فضاء محدود أو غير مجهز، ويُعامل كعنصر ثانوي داخل تنظيم يفترض أنه دولي، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد ملاحظة تقنية. إنه يتعلق بطبيعة النظرة إلى الصحافة نفسها: هل هي شريك في البناء والتوثيق؟ أم مجرد حضور رمزي يُستدعى عند الحاجة ويُهمّش عند التنظيم؟
إن احترام الجسم الصحافي ليس امتيازاً يُمنح، بل هو شرط من شروط نجاح أي حدث عمومي. وأي تهاون في ذلك، خاصة في تظاهرة تستند إلى دعم أو إشراف عمومي، يطرح مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تنظيمية.
وفي النهاية، تبقى الرسالة واضحة:
لا يمكن لمعرض دولي أن يُنتج صورة قوية عن نفسه، بينما يترك من يُفترض أنهم ينقلون تلك الصورة في وضع مهني هش أو غير مُهيأ. فالإعلام ليس هامشاً في الحدث… بل أحد أعمدته الأساسية.
محمد النوري.





























