بقلم : إسماعيل بوقاسم
شهدت أغلب المدن والجماعات الترابية بالمملكة مع حلول شهري يوليوز وغشت، موجة متصاعدة من المهرجانات نظمت تحت مظلة احتفالات الشعب المغربي بعيدي العرش والشباب للعام الجاري. غير أن متابعة تفاصيل هذه الاحتفالات ورصد أبعادها التنظيمية تثير نقاشا عميقا حول حدودها الفنية والانتخابية، و يبصم على تداخلات تمس جوهر الفعل الفني و الثقافي والممارسة الديمقراطية.
تطرح الأرقام المتفاوتة لهذه المهرجانات وتوقيتها المتزامن مع الاقتراب من محطة استحقاق 23 شتنبر 2026، علامات استفهام وتعجب كبرى حول أهدافها الحقيقية. خاصة وأن منصاتها الممولة بالكامل وبشكل سخي من المال العام، قد تحولت تحت ألوان البهرجة إلى واجهات لاستقطاب أصوات الكتلة الناخبة بشكل كشف عن حملات سابقة لأوانها مع سبق إصرار وترصد، وبدلا من أن تكون هذه المناسبات الوطنية رافعة للتنمية الفنية و الثقافية المستدامة بالجهات، قدمت كهدايا لمنتخبين يرتبون أوراق ترشحهم، مما يفرغ الاستحقاقات من تنافسيتها الشريفة القائمة على البرامج والأفكار.
على الصعيد الفني، كشفت الاحتفالات ذاتها عن اختلالات تنظيمية عميقة، حيث تنقلت اسماء مغنيين شعبيين بعينهم بين عدة مهرجانات في ظرف زمني وجيز. هذا التكرار كرس الرتابة وحرم الطاقات الشابة والفرق المحلية من فرص المشاركة، كما أنه جعل من الجمهور مجرد كتلة بشرية تجيش للتدافع داخل الساحات دون مراعاة لتهذيب الذوق العام أو تقديم قيمة معرفية وإبداعية مضافة.
من أبرز الإشكالات التي جذبت انتباه المراقبين و المتتبعين، هي الحضور الرسمي لكبار رجالات السلطة ( ولاة - عمال- باشاوات) جنبا إلى منتخبين أغلبهم مشاريع مرشحين للاستحقاقات المقبلة، في حفلات افتتاح هذه المهرجانات. هذا التداخل الرسمي أعطى انطباعا بأن هناك رعاية رسمية لأنشطة تداخلت فيها الغايات الثقافية بالهواجس الانتخابية، ويطرح أسئلة ملحة حول الحكامة الرشيدة وضرورة فصل الدعم الثقافي عن أي حسابات انتخابوية ضيقة.
ناهيك عن فضائح بالجملة وأخرى بالتقسيط لازمت مشاركة أغلب فرسان الأغنية الشعبية خلال السهرات المفتوحة على الهواء الطلق، لدرجة أن أحد ابطالها دخل في مشاداة مع أصحاب الميكروفونات انتهت بالإحالة على النيابة العامة... كما ان اغلب كلمات المقاطع الغنائية التي صدحت بها حناجر المشاركين والمشاركات تشع بالكراهية والتحريض على الانحلال الخلقي، وغيرها كثير من الانزلاقات، خلفتها العقلية التي تحركها خيوط الهواجس الانتخابية في تنظيم التظاهرات الإشعاعية...
إن الرهان الحقيقي للنهوض بالمشهدين الفني والثقافي يستدعي إعادة النظر في معايير إقامة المهرجانات وطرق تمويلها، لتتحول من مجرد مناسبات موسمية فلكلورية إلى مشاريع فنية وثقافية جادة تؤسس لصناعة إبداعية حقيقية، تحترم ذكاء المواطن ورغبته في فن يوسع المعرفة ولا يستغل الحاجة.






















