* رأي الأديب الشاعر المغربي الأستاذ إبراهيم ابراهيم موساوي
{ حول ما يسمى بقصيدة النثر)
في ظل الجدال المشرئب بعنقه طيلة العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي إلى الآن، حول مدى بروز ما يسمى ب (القصيدة النثرية)، واستمراريتها، وكسرها كل الضوابط والأنماط المُتعاهَد عليها، والمتعاقَد عليها بين الشعر والشاعر، كان لابد من طرح أسئلة حول هذا الموضوع، تتلخص في ما يلي:
1) ماهي القصيدة النثرية ؟
2) هل يمكن أن تكون شعرًا بالمعنى المتعارف عليه؟
3) هل يمكن أن تصب في قالب شعر التفعيلة؟
4) لماذا القصيدة النثرية الآن؟ وهل يمكنها الصمود طويلًا؟
* أولًا، الكلام كله في جميع الثقافات على هذا الكوكب، ينقسم إلى قسمين متباينين متوازيين في الخطاب اليومي، وهما "النثر والشعر"، ولكل منهما مميزاته التي يختلفان بها، فالنثر يتميَّز بالغزارة والكثرة، لأن غالب الكلام لا يكون إلا نثرًا، أما الشعر فنادرًا ما يحضر في هذا الخطاب حتى تتوفر شروطه وتقتضيه الضرورة أو المناسبة، وقد ألمح إلى هذا "ابن رشيق القيرواني" في الصفحة 2 من كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه"، قائلًا:
(وكلام العرب نوعان: منظوم، ومنثور، ولكل منهما ثلاث طبقات: جيدة، ومتوسطة، ورديئة، فإذا اتفقت الطبقتان في القدر، وتساوتا في القيمة، ولم يكن لأحداهما فضل على الأخرى، كان الحكم للشعر ظاهرًا في التسمية، لأن كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترَف العادة)؛
ويقول أيضًا في نفس السياق:
(وقد اجتمع الناس على أن المنثور في كلامهم أكثر، وأقل جيدًّا محفوظًا، وأن الشعر أقل، وأكثر جيدًّا محفوظًا، لأن في أدناه من زينة الوزن والقافية ما يقارب به جيد المنثور، وكان الكلام كله منثورًا، فاحتاجت العرب إلى التغني بمكارم أخلاقها وطيب أعرافها، وذكر أيامها، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه جعلوه شعرًا، لأنهم شعروا به.
وقيل ما تكلمت به العرب من جيد المنثور، أكثر مما تكلمت به عن جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولاضاع من الموزون عشره).
- في هذا التحديد، ينجلي التمايز والتباين بين الشعر والنثر، وإذا أدركنا هذا الاختلاف واستوعبناه، حينئذ سنستطيع أن نفرق بين شطري الكلام، وندع كل شطر يعبر عن نفسه بما أودع فيه من جمالية وبهاء ورونق، بعد احترام خصوصية كل منهما، فالدر درُّ ولا ينقص من قيمته أن يكون غير منتظم، لكن إن كان منتظمًا، كان أرقى وأجمل، هذا هو حال النثر الذي تفيض به المهج الصادقة والعواطف الرقيقة في غير وزن ولا قافية، وقد يطرق الأفئدة، وتتفاعل معه الحواس، وينصرف إليه الوعي، دون تلك السيطرة الكلية التي يفرضها الشعر بنغماته الرنانة، وإيقاعه العذب، وسلاسته المتدفقة، وحِكمه البالغة، وبلاغته الساحرة.
1) ولنرجع إلى السؤال الأول:
ماهي القصيدة النثرية؟
- لا يمكن أن تختلف المصطلحات، ولا أن تتناقض، لأن مصطلح القصيدة خاص بمجال شعري مسيج بضوابط صارمة، وبعيد كل البعد عن النثر وفضاءاته الواسعة، كما في هذا التعريف:
(القصيدة اصطلاحًا هي مجموع أبيات شعرية من بحر من البحور الشعرية الستة عشر، تربو على السبعة فما فوقها، مستوية في عدد الأجزاء، وفي جواز ما يجوز فيها، ولزومِ ما يُلزم، وامتناع ما يُمتنع).
ولها تعريفات أخري عند "الأخفش" ،و "ابن جني"، وغيرهما، لكن في حدود هذا الأصطلاح تقريبًا.
وإذا كان الأمر هكذا، فلا مجال لإقحام مصطلحات في مجال مصطلحات أخرى، لكيلا تقع الأضداد على الأضداد، لأن الوصف السالف للذكر للقصيدة ينزهها عما سواها من الأجناس الأدبية الأخرى؛
يقول الكاتب والشاعر الأردني "أمجد ناصر":
(قصيدة النثر قصيدة مادتها النثر، وعلى العكس من القصيدة الحرة، فهي ولدت على الورقة، أي كتابيًّا، وليس لها أصل شفوي كما هو حال قصيدة الشعر الموزون أو "الحر"، وهي بهذا المعنى لم ترتبط بالموسيقى الشعر، ولم يقترح كتابها أن تغنى، ولا يمكن أن تقرأ ملحميًّا، أو بصوت جهوري يحافظ على الوقفة الإيقاعية القائمة بين بيت وآخر).
2 - 3) ومن هذا المنطلق يأتي الجواب عن السؤالين الثاني والثالث؛
هل يمكن أن يكون ما يُسمى بالقصيدة النثرية شعرًا مقيدًا، أو شعرًا حرًّا، بالمعنى المتعارف عليه لدى الشعراء والعروضيين؛
الجواب بكل بساطة سيكون بالنفي، لأنها تفتقد الخصائص والمقومات والوظائف التي تستدعيها القصيدة الأصل، والقصيدة الحرة، لأنها خرجت من فراغ ليس له جذور ثابتة، أو بالأحرى ولدت ولادة غير شرعية، لارتباطها بثقافة أخرى لا تمتّ بصلة إلى الحاضنة التي احتضنت القصيدة الأصلية الأصيلة، وبعيدة كل البعد عن مجالاتها ولغتها الغنية الواسعة التي أنتجتها بيئتها، وظروف نشاتها وانتشارها.
ومن هذا المنطلق، وغيره، يجب التمييز ببن البيئات، فما ينجح في بيئة ما، لايمكن أن ينمو ويترعرع في بيئة أخرى، وهذا من طبيعة الأشياء، فالأدب يختلف بمفهومه التعبيري، وشكله النمطي ما بين منطقة وأخرى، وإن كان الهدف والمضمون مشتركًا، ومن يتمعن من المتتبعين في تعريف الناقدة الفرنسية "سوزان برنار" للقصيدة النثرية: (قطعة نثر موجزة، موحدة بما فيه الكفاية، مضغوطة كقطعة من بلور) سيتفاجأ بهذا التعريف الذي لا يمكن أن يستسيغه، ولا حتى أن يلتفت إليه، لأن مفهومه للقصيدة غير هذا، والمفاهيم تختلف، وكل إسقاط جنس على غير جنسه، ينتج جنسًا مشوهًا غير مكتمل معنى ومبنى؛
وإذا كانت اللبنات الأولى للقصيدة النثرية قد وضعت في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، مرورًا بالشاعر الفرنسي "شارل بودلير" / أزهار الشر، إلى "ما لارميه" ، "رامبو" وغيرهم، فإنها لم تترعرع بما فيه الكفاية إلا بعد مدة غير يسيرة على يد بعض الحداثيين الأوروبيين، الذين استعملوها للتعبير عن ميولاتهم الفكرية، التي تستدعيها الفترة والظرفية، ونظَّروا لها من خلال تيار "البنيوية" / دي سوسير، رولان بارت، وغيرهما من رواد الحداثة، التي رآها البعض وسيلة للتخلص من تبعات الماضي وما يحمله، والقطيعة معه، بغض النظر عن الأشياء الجميلة التي يختزنها في سيرورته التاريخية.
وفي اللغة العربية، التي مر فيها الشعر بتجارب تجديدية كثيرة —نجح بعضها ورسب البعض — منذ العصر العباسي الأول حتى بداية القرن العشرين، انتظرت قصيدة النثر أجيالًا عدة، إلى أن جاء جيل من الحداثيين، على رأسهم "أحمد سعيد أدونيس، وأنسي الحاج، ومحمد الماغوط"، وغيرهم الذين مالوا إلى التيار الحداثي، رافعين لواء التنصل من تبعية الماضي، بما له وما عليه، وأخذوا في التقعيد والتنظير لمذهبهم الجديد، الذي هو في الحقيقة استيراد لبضاعة لم تتعود عليها الذائقة الأدبية المحلية، قد تكون رائجة لبعض الوقت، ثم ينتابها الكساد بعد أخذ ورد، وسوف تكون "قصيدة النثر" هذه، كما يحلو لهم تسميتها، بضاعتَهم المجزاة، إذ لمجرد طرحها في مربد التسويق الأدبي، تعالت صيحات الاستنكار والاستهجان من هنا وهناك، وبدأت الأقلام تسيل بمقالات يعبر فيها أصحابها عن مواقف تكاد تكون متشابهة، بعضها مرن شيئًا ما، والبعض الأخر قاس صريح؛
وهذه الشاعرة العراقية "نازك الملائكة" رائدة "الشعر الحر"، التي نالت هي الأخرى نصيبها من النقد اللاذع، على مشروعها القاضي بتجريد الشعر من حلته القديمة الجميلة، إلى حلة أفضل ما يقال عنها أنها لباس على الأقل، تقف بالمرصاد لرواد "القصيدة النثرية" في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، إذ اعتبرتها (بدعة غريبة، ونتاجًا للروح الأوروبية المصطنعة).
4 ) وهنا ينتصب السوال الرابع: لماذا القصيدة النثرية الآن، وهل يمكنها الاستمرار ومزاحمة القصيدة الأصلية؟
- كما مرَّ، يجب أن تُسمى الأشياء بمسمياتها، ويستفيق من كان يظن أنه يستطيع، اعتمادًا على مبدإ التطور والخروج عن المألوف وتكسير القاعدة، أن يدخل في الشعر ما ليس فيه، وأن يستنبط منه ما لم يكن فيه أصلًا، لأن الفروق واضحة وضوح الحقيقة، التي تقسم المنطوق الإنساني إلى "شعر ونثر"، عند جميع الثفاقات، وفي كل اللغات، واللغة العربية، في جميع مراحل سيرورتها التاريخية، لم تقدم لنا في خطابها إلا هذه الثنائية "الشعر والنثر"، ومن ظن غير هذا اعتمادًا على ما ذكر، فلن يجني سوى ذاك الوهم الذي سيعيش عليه طويلًا، قبل أن يدرك أنه كان ضحية لطموحه، الذي لم يستطع أن يدخل إليه من أوسع أبوابه؛
ومن التخبط في هذا الوهم والسكون إليه، ما أشار إليه الشاعر "أنسي الحاج" في مقالة له في "مجلة شعر" حول مفهوم "قصيدة النثر" حين قال:
(إن قصيدة النثر شعرٌ، وليست نثرًا جميلًا، بل هي قصيدة مكتملة، وكائن حي مستقل، مادتها النثر، وغايتها الشعر، والنثر المادة التكوينية فيها، لذلك ألحق باسمها كلمة النثر لتبيان مَنشئها، وسميت قصيدة للتأكيد على أن النثر يمكن أن يكون شعرًا دون التزامه ببحور الشعر والضوابط التقليدية).
أي كلام هذا، وأي تناقض؟ :
(قصيدة النثر شعر، وليست نثرًا جميلًا)؛
كيف يكون النثر شعرًا دون التزامه ببحور الشعر وضوابطه؟
وكيف يكون للنثر قصيدة، مع العلم أن القصيدة مرتبطة بالشعر؟
وكيف تكون قصيدة مكتملة مادتها النثر، وغايتها الشعر؟...
مثل هذا الكلام قد يجن العقل قبل حتى أن يتمعن فيه، لهذا التناقض الصاروخ، الذي يحمله بين مفرداته، عندما لا تكون الفكرة غامضة مبهمة، وليس القدرة على الإيضاح والوضوح، فقد تثير الاشمئزاز حتى عند حامليها والمنظرين لها، وهذا هو الفراغ الذي سقط فيه كثير ممن يسمون الآن أنفسهم شعراء وشواعر، دون أدنى إلمام ولو يسير بضوابط الشعر الحقيقي وأحكامه، التي دونها خرط القتاد ؛
فما معنى أن يحسب على الشعر، وحتى على النثر، من لم لا يزال يجهل كيفية كتابة الفعل المضارع المعتل المجزوم، وإن سألته عن أبسط قواعد النحو يصاب بالخرس؟
وكيف يعد شاعرًا من لم يسمع حتى بالزحافات والعلل وأدنى قواعد العروض؟
ألم يحن أن يدع هؤلاء ما لا يحسنون إلى ما يحسنون ؟ !
وحتى إن تُركت "القصيدة النثرية" على حالها، وسُلِّم لها ببروزها وانتشارها وحملها معاني سامية تتدفق بالشعور الدافىء الهادف، والجمال الذي تختزنه من خلال انسيابها النثري الجميل، واحتضانها من طرف أقلام رائعة متميزة لها مكانتها المحترمة، ورتبتها المرموقة في ميدان الكتابة والأدب عمومًا، هذه الأقلام وضعت هذا الجنس الأدبي نصب أعينهم وقطعت فيه أشواطًا أقل ما يقال عنها أنها طويلة، هذه الأقلام التي تُرى كجرز خضراء نضرة، وسط هذا المحيط المتلاطم من الرداءة والابتذال، هي حالة استثنائية طبعًا، ترفع لها القبعات بدون مجاملات، لكن هل يستطيع هؤلاء المحسوبون على الشعر من شعراء وشواعر، الذين تملأ المطابع ودور النشر أرصدتها على تفاهاتهم التي يسمونها دواوين شعرية، أن يتعاملوا مع "قصيدة النثر" كما هي، وكما نظَّر لها روداها الكبار، وكما تتعامل معها هذه الأقلام؟ كلا وألف كلا، فما كل ما يلمع يعتبر ذهبًا.
ثم هل يستطيع هؤلاء، وحتى أقطابهم، أن يعطوا تفسيرًا، ولو مختصرًا، لما يكتبون؟
عندما يكتب أحدهم أو إحداهن مثلًا:
(الريح تأكل وسادتي
وفي قمطري تسكن شجرة السدر
وفي مطبخي أمواج البحر تلسع الأساور)؛
كيف، وبماذا سيجيب هذه الكلمات، إن طُلب منه توضيح لهذا الهذيان؟
قد لا يجيب، وقد يصطنع تأويلات لا تسمن ولا تفيد في شيء، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والطامة الكبرى لا تمكن في هؤلاء فقط، وإنما في من يسمون أنفسهم نُقادًا — حيث النقاد قليل — وهم في الحقيقة متملقون ومطبلون وأقلام تحت الطلب لغاية في أنفسهم هم يعلمونها، وليس لهم من النقد إلا ما يحلون به أنفسهم وصفحاتهم، وهم يعلمون أنهم إما يستغفلون هؤلاء المساكين بما يدعونه نقدًا بناء تشجيعيًّا، أو هم أنفسهم يعيشون على ظنون وأوهام تسكنهم، ولم يدركوا ماهيتها، ولا حتى كيف التخلص منها؛ هذا مع العلم أن الساحة تضم نقادًا نزهاء يعرفون عملهم جيدًا، ولا يجاملون أحدًا على ظهر النقد البناء الخالى من الأوسمة والنياشين، والذي يجب أن يصب في خانة الارتقاء بالإبداع الأدبي، لا فتح "وكالة نقدية" يستفيد منها الصديق واللعوب والذي يدفع أكثر.
وفي هذا الصدد يقول الكاتب "حسن محافي":
(المفارقة المحزنة أن عدداً ليس قليلًا من شعراء "قصيدة النثر"، ممن لديهم عدة مجموعات شعرية مطبوعة، لا يدركون الأصول ولا الفوارق بين "قصيدة النثر" وقصيدة التفعيلة، فتراهم يزوِّقون قصائدهم النثرية ببعض القوافي السجعية)؛
ويقول أيضاً في نفس السياق:
(عوض أن ينبري النقد العربي الحديث إلى تقويم هذه الوضعية الشعرية المزرية، عبر تطوير المجهودات الأولى في التنظير لقصيدة النثر، فإنه ساير هذه الجوقة المتنافرة الأصوات، مرة تحت ذريعة النزعة الوصفية الفجة، وتارة عبر حشو المقاربة النقدية بمفاهيم مرعبة، تقمع القارئ وتؤدي إلى فقدان ثقته بنفسه، وتلوي عنق النص من خلال تأويلات بعيدة، همها الوحيد أن تصبغ مشروعية على نص شعري ليس فيه من الشعر إلا الاسم) .
* الخلاصة:
أن ما يقال عن "القصيدة النثرية" وبروزها وإشعاعها وزحزختها القصيدة الأم عن مكانتها وشأوها، ما هو سوى تضخيم وتكريس لواقع أدبي مترد، يتجلى فيما يشاهد من التفاهة التي تملأ ما يسمى بالدواوين والصحف وصفحات وسائل التواصل، والمنتديات والملتقيات الشعرية، التي لا تحمل من الشعر إلا الاسم، والوقت فقط هو الكفيل بفصل الغث عن السمين، ولن بيقى إلا السليم الأصيل، وتلك طبيعة الأشياء.
إبراهيم موساوي.
المغرب:

























