مع نهاية السنوات الأخيرة من الألفية الثانية كان التعاطي للعالم الرقمي ترفا ثقافيا وحكرا على النخبة من المجتمع. لكن سرعان ما تحولت هذه الظاهرة الرقمية إلى ثورة كوبرنيكية كبرى ميزت العهد الجديد وانتشرت السيبرنتيك في بقاع المعمور كانتشار النار في الهشيم…
وتماشيا مع هذا التطور عمدت المملكة المغربية إلى عصرنة ورقمنة إداراتها رويدا رويدا، وأضحت الإعلاميات مادة تدرس في المؤسسات التعليمية، وبالتالي سهل الإقبال على الأنترنيت بشكل ملفت للنظر، وبرز جيل جديد على اطلاع كبير بتقنيات علوم الحاسوب والشبكة العنكبوتية.
ورجوعا إلى فترة الحماية كان التمدرس مقتصرا على أبناء المعمرين وأبناء الأعيان وأعوان السلطات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، فيما كان السواد الأعظم من الأطفال والشباب المغاربة ممنوعين من أخذ نصيبهم من التعليم العصري. إذ كان الكتاب هو مؤسستهم التعليمية التي يتزودون داخله بعلوم القرآن و الشريعة و الفقه والأدب العربي.
وقد تصدرت جامعة القرويين قائمة هذه المؤسسات القرآنية، فيما لعبت الزوايا الدينية دورا مهما في تكوين وتأطير الطلبة علميا وجهاديا، حيث انخرطت نخبة من خريجيها في الحركة الوطنية وجيش التحرير لمناهضة المستعمر والدفاع عن الوطن والمطالبة بالاستقلال.
وهو ما قوى لحمة الكفاح الوطني ضد الفرنسيين والاسبانيين الذين أجبروا على تمتيع المملكة بالاستقلال بعد ثورات متعددة للملك والشعب قوبلت بالقمع وسجلت الآلاف من الشهداء الذين سقطوا فداءا للوطن.
مباشرة بعد الحصول على الاستقلال، كان المغاربة متعطشين للعلم والمعرفة، حيث فتحت المدارس أبوابها في وجه أبناء المغاربة من عموم الشعب، وأضحى بذلك التمدرس في متناول الجميع. هذه الطفرة النوعية التي حصلت في حياة المغاربة أثمرت جيلا من المثقفين الذين حلوا محل الأطر الأجنبية في إطار ما اصطلح عليه ب : مغربة الأطر، وهو الجيل الذهبي الذي مأسس صرحا ثقافيا مغربيا أصيلا قل نظيره، تطورت معه الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمغاربة، الذين تفوقوا على نظرائهم في بقية الدول الشمال – إفريقية والعربية.
في هذا الخضم وإلى جانب الإعلام الإذاعي والتلفزي الوطني المحتشم ، شهدت الصحافة الورقية التي تعلم الصحافيون المغاربة أبجدياتها على يد المستعمر الذي كان يصدر بعض الصحف بالفرنسية والاسبانية تطورا كبيرا، بحيث ومع تشكيل الأحزاب السياسية الوطنية، هيمنت الصحافة الحزبية على المشهد القرائي وحققت صحفها نسبة مقروئية عالية، وكانت آنذاك الرائدة في توفير خطاب إعلامي يستثمر في الهامش المتوفر في حرية التعبير.
ومع ظهور الصحافة المستقلة والصحافة غير الحزبية دخلت صحافة الأحزاب في حالة من التقهقر أثر بشكل كبير على تراجع مبيعات الصحف. والذي زاد طينتها بلة ظهور الصحافة الإلكترونية التي انتشرت على الشبكة العنكبوتية كالفطر، واستعصى في البداية كبح جماحها والتحكم فيها.
فالصحافة الورقية التي سادت طوال منتصف القرن الماضي وبداية العقود الأولى من الألفية الثالثة، باتت مهددة في عقر دارها بالاندثار ، بعدما هاجرها مناضلوها وقراؤها، علما أنها استفادت فيما مضى من مرحلة كان يعيش فيها المشهد الإعلامي المغربي ظاهرة إملاء الخطابات كبديل عن الخطاب الرسمي لوسائل الإعلام السمعية البصرية، كانت ساعتها وزارة السيادة تحمل اسم : ” وزارة الداخلية والإعلام “، على عكس الصحافة المستقلة والغير الحزبية الحديثة العهد التي ظلت معظمها في منأى عن هذا الدعم.
إن ضمور عدد القراء وتقلص قاعدة مناضلي الأحزاب الوطنية، وانتشار البطالة وارتفاع نسبة الأمية، وتدني خدمات القطاعات الحساسة كالتعليم والصحة، ساهم بقوة في تراجع نسبة القراءة في المغرب.
فإلى حدود الأمس كانت الصحف الورقية رغم المنافسة الشرسة، تراهن على نسبة المبيعات واتساع دائرة زبنائها من القراء. لكن واقع الحال اليوم أضحى مغايرا تماما لمشهد الأمس. وأصبح النمط القديم من التحف التي طواها الزمن، بعدما بات من موسوع كل مواطن وكل مواطنة الاطلاع بالنص والصوت والصورة على الأخبار والمستجدات الوطنية والدولية بلمسة زر تربطه بالقارات الخمس للقرية الكونية، فضلا عن العشرات من مواقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك و الوتساب والأنستغرام والتويتر الخ.. .
ورغم كل هذه التطورات، لا تزال بعض الصحف الورقية تحظى بدعم الدولة، وإن كانت جلها قد اتخذت لها حلة إلكترونية تنافست و تباينت واختلفت تصاميم مواقعها الإلكترونية.
ولتقنين مجال الصحافة الإخبارية الرقمية، قامت الدولة بإصدار مدونة الصحافة والنشر التي وضعت شروطا صارمة لممارسة المهنة، إذ أضحى كل مشتغل بها يحمل بطاقة مهنية مسلمة له من وزارة الثقافة والاتصال. وكل منبر إخباري لا يخضع للملاءمة فقد تم حجبه بالمرة.
وعود على بدء، وعلاقة بتراجع الصحافة الورقية واحتضارها وتراجع نسبة القراءة ببلدنا، كانت هيأة مراقبة نشر و توزيع الصحف بالمغرب قد أعلنت أن ثلاثة أشهر جرائد وطنية فقدت عددا كبيرا من قرائها في السنوات الأخيرة.
فإذا أخذنا على سبيل المثال لا الحصر بعض الجرائد في شقها الورقي، نجد جريدة المساء قد فقدت 20000 نسخة مقارنة بين سنة 2014 و 2015؛ وجريدة الأخبار تراجعت ب 9000 نسخة في الفترة نفسها.
وعموما فالصحافة الورقية في تراجع مطرد بلغ 24% سنة 2014 مقارنة مع 2008. وهناك تقارير تشير إلى أن مجموع مبيعات الصحف الورقية على المستوى الوطني لا يتجاوز 100000 نسخة يوميا.















![مؤسسة دكتورة سهير الغنام للاستشارات الإعلامية والإعلانية تقدم [ مبدعين دولة الإمارات]](uploads/articles/s50/27341.jpg)
















