يقال في السياسة، إن المصلحة تحكم وقد تتحكم في أحايين كثيرة، وإن التقاطعات الأيديولوجية والمسارات التاريخية قد تتوارى خلف المصالح الحزبية. لكن، حين تصبح الرقعة السياسية ساحة لبعثرة الأوراق التاريخية ودمج المتناقضات تحت قبة البرلمان، يتحول "التوافق" إلى سياج يمس ذاكرة وطن بأكمله.
أثارني المشهد مؤخرا تحت قبة مجلس المستشارين، حيث ارتفع صوت الكوميسير السابق محمود عرشان يتحدى و ينفي ما دونته التسجيلات و السجلات الشفاهية والمدونة والمخطوطة لسنوات الرصاص والتاريخ الأسود، وينكر انه ليس أحد أبرز الوجوه البوليسية المقترنة بمخافر وسلاسل "درب مولاي الشريف".
وبغض النظر عن شهادات الذاكرة ومحاولات طمسها في خريف عمره، فإن دخوله عبر المجموعة النيابية التي يرأسها يفتح الباب أمام مفارقة سياسية وأخلاقية أكثر عمقا وإثارة.
إن اسم المجموعة النيابية "الدستوري الديمقراطي الاجتماعي" يختزل تحالفا بين حزب الاتحاد الدستوري وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية. تحالف قد يبدو في ظاهره مسألة تنظيمية عادية في دروب السياسة، غير أن باطنه يحمل خلفيات الأسماء ورمزيتها و يضعنا من خلالها أمام لوحة مشحونة بالتناقضات الصارخة.
على رأس الطرف الأول (حزب الاتحاد الدستوري) يبرز إسم السيد محمد جودار، الذي قدم نفسه لساكنة ابن امسيك وللمغاربة بكونه "ابن المقاوم الشهيد محمد بن عبد الله جودار"، وعلى رأس الطرف الثاني (حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية) يقف السيد عبد الصمد عرشان، نجل الكوميسير محمود عرشان.
وهنا تشد الأنفاس بعضها في ذهول، كيف يلتقي كف ابن الشهيد بكف ابن من وضعته سنوات الرصاص في موقع الجلاد؟ وكيف تستوي المرجعيات لتصبح دماء الشهداء وقسوة المعتقلات مجرد أرقام تطوى في سجل مجموعات وفرق البرلمان؟
إن صفة الانتماء لعائلات المقاومين والشهداء في تاريخ المغرب لم تكن يوما ورقة انتخابية يستدل بها لتجميع الأصوات في الأزقة الشعبية، ولا كانت تضحيات المقاومين رصيدا يستغل لمراكمة المناصب في كل الاتجاهات، إن دم الشهيد ملكٌ للمستقبل، ورمز لحرية وطن وكرامة أمة.
حين يختار من يحمل إرث المقاومة والشهادة أن يصافح ويتحالف مع إرث الحرس القديم وجلادي سنوات الرصاص، فإنه لا يمارس السياسة بمفهومها النبيل، بل يضع علامة استفهام كبرى حول القيمة المعنوية لهذا الإرث. هل أضحت المكاتب المكيفة والمقاعد النيابية أغلى من صدى الصرخات التي ملأت دروب الوطن في عهد الاستعمار وكذا شوطا من فترة الاستقلال؟ وهل باتت التحالفات تعقد على جثامين الذكريات دون ادنى اعتبار للمشاعر الوطنية الجماعية..؟
صحيح أن السياسة في زماننا هذا أضحت مُشرعة الأبواب لكل من هب ودب، وأن التحولات الأيديولوجية لم تعد تستغرب امتزاج الأضداد. غير أن الأوطان لا تبنى فقط بالتوافقات الحزبية، بل تبنى أولا باحترام الذاكرة الوطنية التي هي البوصلة الحقيقية لأي ممارسة سياسية شريفة.
إن التحالف الحزبي القائم بين "ابن الشهيد" و"ابن الجلاد" ليس مجرد ترتيب عادي للمقاعد تحت قبة التشريع، بل هو مرآة تعكس حالة من الفراغ الفكري والأخلاقي الذي تشهده بعض نخبنا الحزبية، إنه مشهد يبعث برسالة خطيرة للجيل الجديد، أن التاريخ يمكن مسحه بجرة قلم، وأن التضحيات يمكن الاستهانة بها في سوق التحالفات.
إن الشعوب قد تتسامح في الهفوات السياسية، وقد تغض الطرف عن البرامج الحزبية التي تنتهي بانتهاء الاستحقاقات الانتخابية، لكنها لا تغفر أبدا العبث بذاكرتها أو الاستهانة بتضحيات شهدائها.
علاوة على أن الدولة المغربية قامت بجهد تاريخي كبير في ملف المصالحة وجبر الضرر، وبالتالي فإن هذه التحالفات التلفزيونية تعيد إنتاج التناقضات وكأن جهود المصالحة الوطنية أصبحت مجرد غطاء شكلي للتوازنات السياسية.
وقبل أن يرتفع الصوت ناهيا أو نافيا من فوق المنصات الرسمية، حري بمن يحمل اسم المقاومة والشهادة أن يتذكر أولا، إن الذاكرة الوطنية ليست للبيع، وإن دماء الشهداء أطهر من أن تستخدم جسرا لنيل ألقاب أو مناصب أو رئاسة مجموعات في مجالس السياسة.



























