كيف تعيد إيران والسعودية وتركيا وباكستان رسم توازنات المنطقة؟
ومن دعا مبكراً إلى جمع القوى الإقليمية في إطار تفاهم مشترك؟
تحليل: نداء حرب
صورة طهران ورسائلها السياسية
تكتسب صورة الاجتماع الرباعي في طهران أهمية تتجاوز إطار اللقاء الدبلوماسي، لما تعكسه من مؤشرات على تحولات في مقاربة دول المنطقة لقضايا الأمن والاستقرار، وفي مقدمتها العلاقات بين إيران والسعودية وتركيا وباكستان.
فاجتماع هذه الدول، على الرغم من تباين مصالحها وتحالفاتها، يعكس إدراكاً متزايداً بأنّ الأزمات الإقليمية لا يمكن احتواؤها من خلال المواجهة وحدها، وأنّ الحوار والتفاهم قد يشكّلان مدخلاً ضرورياً لتقليل المخاطر وحماية المصالح المشتركة.
لكن أهمية هذا اللقاء لا تعني بالضرورة أنّ الدول المشاركة اتفقت على قيادة إيرانية للمنطقة، أو أنّ نظاماً أمنياً جديداً قد اكتمل؛ إذ تبقى هذه الاحتمالات مرتبطة بما ستنتجه المشاورات من تفاهمات عملية واتفاقات واضحة.
من الدعوة إلى الحوار إلى اختبار التفاهم الإقليمي
في سياق البحث عن جذور فكرة جمع القوى الإقليمية على طاولة واحدة، تبرز مواقف ومبادرات تستحق التوقف عندها، وفي مقدمتها دعوة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، إلى لقاء واتفاق يجمع القوى الإقليمية، انطلاقاً من أهمية الحوار في معالجة الخلافات وتجنب الصراعات التي يدفع ثمنها أبناء المنطقة.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من موقع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ودوره الديني والوطني، ومن الحاجة إلى توسيع دائرة التواصل بين القوى المؤثرة، بما يساعد على بناء تفاهمات تحمي سيادة الدول وتدعم الاستقرار.
وفي السياق التحليلي والاستراتيجي، برزت أيضاً قراءات الأستاذ الدكتور سعيد فارس السعيد، الكاتب والباحث الاستراتيجي المستقل، الذي طرح تصوراً لتوسيع إطار التعاون الإقليمي، وتوقّع انضمام إيران والعراق وسورية إلى اتفاق مكة، بما يتيح الانتقال من ترتيبات محدودة بين بعض الدول إلى صيغة أوسع للتفاهم والتعاون.
ويقوم هذا التصور على فكرة أساسية، مفادها أنّ أمن المنطقة لا ينبغي أن يُبنى على استبعاد دولة أو محاصرتها، بل على إيجاد إطار مشترك يتيح للدول المعنية مناقشة خلافاتها، وتحديد مصالحها المتبادلة، والتوصل إلى ضمانات تحول دون الانزلاق إلى مواجهات جديدة.
ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين الدعوات السياسية والتوقعات الاستراتيجية من جهة، وبين الاتفاقات التي أُبرمت فعلياً من جهة أخرى؛ فنجاح أي مبادرة يُقاس بمدى قدرتها على الانتقال من التصور إلى التنفيذ.
السعودية وإيران: من إدارة الخلاف إلى البحث عن المصالح المشتركة
يشكّل الحوار السعودي الإيراني أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحولات الجارية في المنطقة، نظراً إلى تأثير العلاقات بين البلدين في أمن الخليج واليمن وملفات إقليمية أخرى.
وتسعى السعودية إلى حماية أمنها الوطني، والحفاظ على الاستقرار اللازم لمشاريعها الاقتصادية والتنموية، فيما تعمل إيران على تعزيز علاقاتها مع دول الجوار وتوسيع فرص التعاون السياسي والاقتصادي.
ولا يعني التقارب بينهما تطابقاً في المواقف، بل قد يعكس إدراكاً متبادلاً بأنّ إدارة الخلافات عبر الحوار أقل كلفة من استمرار المواجهة.
ومن هنا، فإنّ مشاركة السعودية في اجتماع طهران يمكن أن تكون مؤشراً إلى أهمية الدبلوماسية في المرحلة الراهنة، لكنها لا تكفي وحدها للقول إنّ الرياض قبلت بقيادة إيرانية أو تخلّت عن علاقاتها الدولية الأخرى.
تركيا وباكستان: مصالح متقاطعة وأدوار مستقلة
تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها في الترتيبات الإقليمية، والحفاظ على مصالحها الأمنية والسياسية، والمشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
أما باكستان، فتولي أهمية خاصة لاستقرار الخليج وأمن الطاقة والعلاقات مع الدول المجاورة، فضلاً عن إمكانية أداء دور الوسيط في تقريب وجهات النظر.
وبالتالي، فإنّ اجتماع الدول الأربع يمكن أن يعكس تقاطعاً في المصالح، من دون أن يعني قيام تحالف متكامل أو انتقال القرار الإقليمي إلى دولة واحدة.
والتحدي الحقيقي يتمثل في قدرة هذه الدول على تحويل هذا التقاطع إلى تفاهمات متوازنة، تحترم استقلال القرار الوطني لكل طرف، وتمنع تحوّل الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية.
خمسة ملفات تحدد مستقبل التفاهم الإقليمي
تفرض التطورات الإقليمية مجموعة من الملفات الأساسية على أي حوار جاد بين إيران والسعودية وتركيا وباكستان:
أولاً: منع تجدد المواجهة العسكرية، من خلال توفير ضمانات متبادلة واحترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضيها للاعتداء على دول أخرى.
ثانياً: التطورات في فلسطين ولبنان، حيث تبرز ضرورة وقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، ودعم الجهود السياسية والإنسانية، وضمان عودة النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة في لبنان.
ثالثاً: أمن مضيق هرمز، بما يضمن حرية الملاحة ويحمي حركة التجارة وإمدادات الطاقة من تداعيات النزاعات.
رابعاً: الأزمة اليمنية، عبر دعم مسار سياسي يوقف التصعيد، ويحفظ أمن السعودية وسيادة اليمن وحقوق شعبه.
خامساً: مستقبل العلاقات الإقليمية والدولية، بما يتيح لدول المنطقة تعزيز استقلالية قرارها، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية وفق مصالحها الوطنية.
ولا يمكن اعتبار هذه الملفات قد حُسمت بمجرد انعقاد الاجتماع، لكنها تمثّل اختباراً حقيقياً لجدية التفاهمات التي يمكن أن تنشأ عنه.
هل يمكن توسيع اتفاق مكة ليشمل إيران والعراق وسورية؟
يطرح التصور الذي توقّع انضمام إيران والعراق وسورية إلى اتفاق مكة سؤالاً استراتيجياً مهماً حول إمكان الانتقال من ترتيبات دفاعية بين مجموعة من الدول إلى إطار أوسع للتعاون الإقليمي.
لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى حوار سياسي معمّق، وتوافق على طبيعة الاتفاق وأهدافه، وضمانات واضحة تحمي مصالح جميع المشاركين.
كما أنّ انضمام دول جديدة إلى أي اتفاق دفاعي لا يمكن أن يُفترض مسبقاً، بل يتطلب موافقة رسمية من الدول المعنية، وتحديد الالتزامات القانونية والأمنية المترتبة عليه.
وقد يكون البديل الأولي الأكثر واقعية هو بناء إطار للتشاور الإقليمي، يضم الدول المعنية ويبحث في أمن الحدود والملاحة والتعاون الاقتصادي وتسوية النزاعات، قبل الانتقال إلى أي ترتيبات دفاعية أكثر شمولاً.
إنّ نجاح مثل هذا المسار سيعتمد على قدرته على طمأنة الدول المشاركة، لا على خلق محاور جديدة أو فرض اصطفافات سياسية عليها.
الخلاصة: قيمة المبادرات في قدرتها على صناعة السلام
إنّ اجتماع طهران الرباعي يفتح باباً للنقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي، ويعيد طرح السؤال عن إمكان بناء تفاهمات تجمع الدول المتنافسة ضمن إطار يحمي مصالحها ويحد من مخاطر المواجهة.
وفي هذا السياق، تستحق الدعوات المبكرة إلى جمع القوى الإقليمية، ومنها دعوة العلامة الشيخ علي الخطيب إلى الحوار والاتفاق، وكذلك التصورات الاستراتيجية التي طرحها الأستاذ الدكتور سعيد فارس السعيد بشأن توسيع دائرة التعاون الإقليمي، أن تُناقش في ضوء ما يمكن أن تقدمه من أفكار ومداخل عملية.
غير أنّ القيمة الحقيقية لأي دعوة أو توقع لا تتحدد بمجرد تقاطعها مع تطور سياسي لاحق، بل بمدى وضوحها وقابليتها للتنفيذ، وقدرتها على المساهمة في بناء تفاهمات تحترم سيادة الدول وتخدم مصالح الشعوب.
فلا يكفي أن تجتمع الدول في عاصمة واحدة، ولا أن تتبادل التصريحات الإيجابية، كي نتحدث عن ولادة نظام أمني جديد. المطلوب هو اتفاقات واضحة، والتزامات متبادلة، وآليات لمعالجة الخلافات، وإرادة سياسية تمنع العودة إلى المواجهة عند أول اختبار.
إنّ مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده الدولة التي تفرض قيادتها على الآخرين، بل قدرة دوله على الانتقال من التنافس إلى التعاون، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، ومن توازن التهديدات إلى شراكة حقيقية في صناعة الأمن والاستقرار.
وإذا تحولت المبادرات السياسية والتوقعات الاستراتيجية إلى خطوات عملية، فقد يصبح اجتماع طهران بداية لمسار إقليمي أوسع، يفتح المجال أمام تفاهمات جديدة تشمل دولاً أخرى، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للعيش بأمن واستقرار بعيداً عن الحروب والصراعات.
نداء حرب






























