ترجع تجربة المغرب مع الانتخابات بكل أنواعها ومستوياتها، تشريعية ومهنية وجماعية وجهوية، وبالتالي التمتع بحق المشاركة السياسية، إلى السنوات الأولى للاستقلال (1956)، انطلقت مع سن أول دستور للمملكة صدر في 14 ديسمبر 1962. ولم يتوقف هذا المسار لحد الساعة، بل عرف على امتداد عقود من الزمن نقلات نوعية وطفرات كبيرة وانتكاسات نسبية، توج بمصادقة الشعب المغربي على دستور متقدم، من الجيل الجديد، في استفتاء أجري يوم فاتح يوليو 2011 إيذانا بفتح آفاق جديدة وواعدة للتجربة الديمقراطية وللنموذج التنموي المغربي.
وأهم ما يسترعي الانتباه في هذه التجربة الطويلة مراهنة بلادنا منذ وقت مبكر على حظر ونبذ نظام الحزب الوحيد، لقطع الطريق على كل تنظيم يسعى جاهدا لاحتكار السلطة وتركيزها في يده دون منافس. بخلاف ذلك، تم تكريس مبدأ التعددية الحزبية الذي ظل نظامنا السياسي وفيا له في جميع الدساتير التي عرفها حيث تميزت الممارسة العملية بوجود وتعايش أحزاب وتنظيمات سياسية تعتنق أفكارا مختلفة وتؤمن بمبادئ وتوجهات متباينة لكنها في نفس الوقت تلتئم حول بعض القواسم المشتركة وتجتمع على ثوابت جامعة تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه، كما أصلها الفصل 2 من الوثيقة المعيارية الأسمى.
هذا التوجه هو الذي يفسر لنا إلى أبعد الحدود موقف المشرع الدستوري الصريح الرافض جملة وتفصيلا لتأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وبصفة عامة، على أي أساس من التمييز أو المخالفة لحقوق الإنسان. فالحزب السياسي وسيلة وليس غاية في حد ذاته. من هذه الزاوية، يمنع على أي تنظيم سياسي أن يمس بمبادئ الدين الإسلامي أو بالنظام الملكي أو المبادئ الدستورية أو الأسس الديمقراطية أو الوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة. فلا يتصور أن يوظف الحزب السياسي الميكانيزمات الديمقراطية، ومن ضمنها الانتخابات، لإجهاض النظام الديمقراطي أو إفراغه من محتواه. في المقابل، ضمن الدستور في فصله 9 للأحزاب السياسية ومعها المنظمات النقابية بأن لا تحل ولا توقف من لدن السلطات العمومية إلا بمقتضى مقرر قضائي، ترسيخا لدولة الحق والقانون والمؤسسات.
وسعيا منه لتوطيد هذه القناعة الراسخة التي لا محيد عنها، أكد المشرع الدستوري حديثا على محورية دور الأحزاب السياسية وهو ما تجلى بشكل واضح في المقتضيات الدستورية التي تناولت هذه الهيئات. فالفصل 7 من الدستور الجديد أكد على أهمية الحزب ووظيفته في النظام الدستوري والمشهد السياسي على النحو التالي: "تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية".
وغير خاف أن تحقيق أي حزب لهذه الأهداف وتنزيله لهذه الوظائف ولعبه لهذه الأدوار الدستورية لا يتأتى ولا يمكن بلوغه إلا بسلك الطريق الديمقراطي وهو المشاركة في الاستحقاقات التشريعية والجماعية والجهوية على اعتبار أن "الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي" كما ورد في الفصل 11 من دستور المملكة.
فما هي إذن الأسس القانونية التي تؤصل لحق المشاركة السياسية؟ وما هي الضمانات التي تحمي وتنهض بهذا الحق الأساسي؟















![مؤسسة دكتورة سهير الغنام للاستشارات الإعلامية والإعلانية تقدم [ مبدعين دولة الإمارات]](uploads/articles/s50/27341.jpg)














