تشهد مدينة فاس، وخاصة بمنطقة سيدي بوجيدة، انتشارًا مقلقًا لما يُعرف بـ"المعامل السرية" التي تعمل في مجال الخياطة وصناعة الأحذية. هاته الاوراش تُدار في الخفاء، بعيدًا عن أعين السلطات، ما يجعلها بؤرًا خطيرة تهدد الأرواح وتضر بالاقتصاد المحلي.
الواقع الميداني يكشف أن هذه المعامل السرية لا تلتزم بأدنى معايير السلامة المهنية، إذ تُقام في أقبية منازل ضيقة تفتقر إلى وسائل التهوية ومخارج الطوارئ، ما يحولها إلى قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة. الحوادث المؤلمة التي شهدتها مدن مغربية أخرى، حيث أودت الحرائق بأرواح العديد من العمال بسبب غياب إجراءات السلامة، تثير مخاوف حقيقية من تكرار المأساة في فاس، ما لم يتم اتخاذ تدابير عاجلة.
استغلال واستعباد في الخفاء
إلى جانب المخاطر الأمنية، يعاني العاملون في هذه المعامل من استغلال بشع، إذ يُجبرون على العمل لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة، في ظل انعدام أبسط الحقوق الاجتماعية. هذه المعامل غالبًا ما تُشغّل عمالها دون تسجيلهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، ما يحرمهم من التغطية الصحية والتقاعد والتعويضات العائلية، ويتركهم عرضة للهشاشة الاجتماعية.
ويستغل مشغّلو هذه الورش السرية حاجة هؤلاء العمال الماسة إلى لقمة العيش، فيفرضون عليهم ظروفًا لا تراعي الكرامة الإنسانية. ورغم تفاقم هذه الوضعية، يغيب دور مفتشية الشغل والجهات المسؤولة التي يُفترض بها حماية حقوق العمال وضمان التزام المشغّلين بالقوانين المنظمة للقطاع.
ممارسات غير قانونية تضرب الاقتصاد
لا تقتصر خطورة هذه الورش السرية على ظروف العمل القاسية، بل تتعداها إلى أنشطة غير مشروعة تضر بالاقتصاد المحلي. فقد كشفت مصادر محلية أن بعض هذه المعامل تنخرط في تزوير علامات تجارية عالمية، خصوصًا في مجال الخياطة وصناعة الأحذية. هذه السلع المغشوشة تُسوَّق في الأسواق الشعبية بأسعار منخفضة، ما يُلحق ضررًا كبيرًا بسمعة الصناعة التقليدية المغربية، ويهدد مصدر عيش العديد من الحرفيين الشرفاء الذين يكافحون من أجل تقديم منتوج أصيل وذي جودة.
تواطؤ مريب أم تقصير فادح؟
المثير للقلق أن هذه الأنشطة المشبوهة تتوسع في ظل غياب شبه تام لدور السلطات المحلية وأعوانها، ما يطرح تساؤلات كبرى حول أسباب هذا التجاهل. فهل يتعلق الأمر بتقصير في أداء الواجب، أم أن هناك تواطؤًا ضمنيًا يسمح لهذه الأنشطة غير القانونية بالاستمرار والانتشار؟
إن التجارب المؤلمة التي شهدتها مناطق مغربية أخرى، حيث خلفت حرائق المعامل السرية خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، تدق ناقوس الخطر بضرورة التحرك العاجل قبل أن تتكرر المأساة في فاس.
نداء عاجل لإنقاذ الأرواح وحماية الاقتصاد
إن سكان سيدي بوجيدة، ومعهم الصناع التقليديون الشرفاء، يطالبون السلطات المحلية والجهات المعنية بتدخل فوري لتفكيك هذه المعامل السرية ووضع حد لهذه الفوضى التي تهدد الأرواح وتضرب الاقتصاد في الصميم.
فحماية حياة المواطنين وصيانة سمعة الصناعة التقليدية المغربية مسؤولية لا تحتمل التأجيل. وما لم تُتخذ إجراءات صارمة وعاجلة، فقد نجد أنفسنا أمام مأساة جديدة تُعيد إلى الأذهان كوارث كان بالإمكان تفاديها لو تحركت الجهات المعنية في الوقت المناسب.
Soujaa.a



























