أثار الشريط المتداول الذي ظهرت فيه عمدة مراكش، السيدة فاطمة المنصوري، وهي تشارك في أداء "الطعريجة" على إيقاعات الدقة المراكشية، موجة واسعة من التعليقات، ليس لأن الدقة المراكشية تراث ينبغي الابتعاد عنه، فهي جزء أصيل من هوية المدينة وثقافتها، وإنما لأن ظهور مسؤول سياسي في مثل هذه الأجواء، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يفتح باب التساؤل حول الحدود الفاصلة بين الاحتفاء بالتراث واستثماره في التسويق السياسي.
فالسياسة، في جوهرها، ليست حفلات ولا مهرجانات، وليست صوراً عابرة تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي، بل هي برامج، ورؤى، ومشاريع، وحوار مع المواطنين حول قضاياهم الحقيقية.
وإذا كان من حق أي مسؤول أن يشارك أبناء مدينته أفراحهم ومناسباتهم، فإن من حق الرأي العام أيضاً أن يسأل: ماذا تحقق للمدينة خارج عدسات الكاميرات؟ وهل أصبحت المناسبات الشعبية وسيلة للتواصل السياسي أكثر من كونها مناسبة للحفاظ على الموروث الثقافي؟
وفي المقابل، تقدم أحزاب أخرى نموذجاً مختلفاً في تدبير حضورها داخل المجتمع. فعوض الاكتفاء بالمشهد الاحتفالي، تنظم لقاءات فكرية وندوات مفتوحة تناقش قضايا الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والحكامة. ويكفي أن نستحضر الندوات التي تحتضنها مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، والتي يشارك فيها باحثون وأساتذة جامعيون وكفاءات وطنية، حيث يكون الرهان هو إنتاج الأفكار، وإغناء النقاش العمومي، ورفع منسوب الوعي السياسي لدى المواطنين.
إن الفرق بين النموذجين واضح؛ نموذج يجعل من الفكر والثقافة والبرامج وسيلته لكسب ثقة الناخبين، ونموذج آخر يغلب عليه الحضور الاحتفالي، واستثمار المناسبات الشعبية، والولائم، والتجمعات ذات الطابع الفرجوي.
ولا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة بين حزب وآخر، وإنما بالمفاضلة بين منهجين في العمل السياسي: منهج يعتبر المواطن شريكاً في النقاش وصناعة القرار، ومنهج يراهن على الصورة والفرجة والتأثير العاطفي.
إن المغرب، وهو يستعد لمحطات انتخابية جديدة، يحتاج إلى منافسة حول جودة البرامج، وحلول مشاكل التعليم والصحة والنقل والشغل والسكن، أكثر مما يحتاج إلى منافسة في عدد مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
فالوعي لا تصنعه "الطعريجة"، كما أن مستقبل المدن لا يبنى بالرقص على إيقاع المناسبات، وإنما يبنى بالأفكار الجادة، وبالحوار المسؤول، وبالالتزام الصادق مع المواطنين.
لقد كانت الدقة المراكشية وستظل تراثاً مغربياً عريقاً يستحق الحماية والتثمين، لكن السياسة شيء آخر؛ فهي مسؤولية ومحاسبة، وليست مجرد مشهد احتفالي قد يحقق انتشاراً إعلامياً، دون أن يجيب عن الأسئلة التي تشغل المواطن في حياته اليومية.




























