بقلم : اسماعيل بوقاسم
تقاس نجاعة التجارب الديمقراطية ومصداقيتها بالنظافة الإجرائية لعمليات الاقتراع، وبقدرة المؤسسات الساهرة على تدبيرها على توفير بيئة آمنة تضمن للمواطن ممارسة حقه الدستوري بكامل الحرية والاستقلالية. غير أن ما شهدته الدائرة الانتخابية "ابن امسيك" بمدينة الدار البيضاء، "العاصمة الاقتصادية" وأكبر تجمع سكاني بالمملكة المغربية خلال الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى حماية الإرادة الشعبية من محاولات القرصنة والتوجيه القسري.
والملاحظ، أن واقع المشاهدة الميدانية الحية، أكد أن أجواء محيط بعض مكاتب التصويت لم تعلن للأسف أننا عشنا عرسا ديمقراطيا حقيقيا، كونها تحولت إلى ما يشبه ساحات نفوذ يفرض فيها المنحرفون وذوو السوابق العدلية والبلطجية هيمنتهم المطلقة، لأن هناك كائنات انتخابية تسلحت ببعض المأجورين لضرب المفهوم الحقيقي للتنافس الشريف، حيث أحاط هؤلاء البلطجية بمنافذ المكاتب وشكلوا جدارا للضغط على الناخبين، بل إن الأمر تعدى التوجيه الشفهي والإغراء المادي إلى التهديد المباشر للبعض وإجبارهم على التصويت لصالح لائحة بعينها.
هذا التغول الفرعوني للمأجورين لم يكن لِيحدث لولا الغياب الشبه المطلق، او لنقل الحياد السلبي لرجال الأمن وممثلي السلطات المحلية، الذين كانوا في موقف يتنافى مع أدوارهم الدستورية في تحصين الهيئة الناخبة وردع أي سلوك يمس بحرية الاختيار.
إن ترك ساحة الاقتراع مجالا للترهيب والبلطجة ليس مجرد خلل تنظيمي غير ذي أهمية، بل هو ضربة في مقتل لمفهوم النزاهة والشرعية التمثيلية.
أمام هذه المشاهد المؤسفة التي تسيء للنموذج الديمقراطي للمملكة، لا يمكن قراءة موقف المصالح التابعة لوزارة الداخلية إلا بوصفه "حيادا سلبيا" غير بريء. لأن التراخي الواضح في الوقوف بحزم ضد الخروقات الميدانية وترك المواطن أعزل أمام سطوة البلطجية، أدى إلى تحويل مفهوم "الحياد" إلى السكوت عن تجاوزات تخدم طرفا على حساب آخر.
إن صيانة الإرادة الشعبية ليست مجرد شعار إعلامي تزين به التقارير الرسمية، بل هي سلسلة من الإجراءات الزجرية والميدانية المباشرة. وحين تتراخى السلطة المحلية عن أداء هذا الواجب الوطني، فإنها تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في صياغة خريطة انتخابية لا تعكس الحقيقة السياسية للكتلة الناخبة بالدائرة.
إن النتيجة الحتمية لهيمنة الضغط والترهيب هي إفراز نتائج غير حقيقية في العديد من الدوائر الانتخابية. فالمواطن الذي دخل مكتب الاقتراع تحت صدمة الخوف والتهديد، خوفا من البلطجية المرابطين بالأبواب، هو مواطن سلب حقه الاستقلالي في الاختيار.
لكل ذلك، لا يمكن السكوت عن هذه التجاوزات أو الانزلاقات باعتبارها أحداثا هامشية، لأن الاستهانة بها تقوض الثقة المتبقية لدى المواطن في العملية السياسية برمتها، وتغذي عزوف الشباب عن المشاركة في الحياة العامة.
إن الديمقراطية لا تتلخص في وضع الأصوات داخل الصناديق الشفافة، بل تبدأ من تأمين حرية الوصول إلى تلك الصناديق بعيدا عن أيدي المأجورين وسلوكيات الكائنات الانتخابية التي تعتاش على الفساد والترهيب. واليوم، بات من اللازم فتح تحقيق جدي ومسؤول في سلوكيات السلطة التنفيذية بالمنطقة خلال هذه الاستحقاقات، من أجل رد الاعتبار لصوت المواطن وتحصين الاستحقاقات القادمة من بؤر الفساد والتسلط.




























