أثار الإعفاء السريع للوزيرة مديحة خايير بعد ساعات معدودة من تعيينها في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نقاشا وطنيا واسعا لا ينبغي أن يقف عند حدود التدوين والأرشفة، بل يستوجب قراءة متأنية في اختلالات منظومة الانتقاء وتدبير الكفاءات العمومية.
فبينما يحضر التساؤل المشروع حول المسؤولية السياسية لحزب الاستقلال وقيادته في ترشيح واقتراح أسماء لم تخضع لغربلة دقيقة، تتجه الأنظار بصورة أعمق وأكثر إلحاحا نحو الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختصة، تلك التي تعقد عليها الرهانات لحماية المصالح العليا للبلاد، والتي أبانت هذه النازلة عن ثغرات واضحة في مساطر التدقيق والتمحيص القبلي.
إن تمرير اسم شخصية تفيد شهادة طبية رسمية بكونها فاقدة للأهلية القانونية والإدارية لتصل إلى أرفع مستويات اتخاذ القرار وتوضع بين يدي جلالة الملك، لا يعكس فقط قصورا حزبيا داخليا في تقييم الأهلية السياسية فحسب، بل يطرح إشكالا هيكليا أكبر يتعلق بدور المصالح الاستخباراتية والأمنية بوزارة الداخلية في تأمين مدخلات القرار العمومي والسيادي.
فتلك الأجهزة التي أثبتت جدارة عالمية مشهودة وكفاءة عالية في رصد وتفكيك المخاطر المعقدة خارج الحدود، ونجحت في تأمين الفضاءات الحساسة بأوروبا وآسيا وأمريكا، كان من المفترض أن تشكل السد المنيع لتدقيق السير الذاتية وتطهير مسارات الترشيح من أي شوائب أو حالات تعارض قانوني أو طبي. فكيف سمح لهذا الملف بالمرور عبر فلاتر الرقابة القبلية؟
لا يتعلق الأمر هنا بالخوض في الذمم أو إدانة أشخاص بعينهم، بل هو نقاش رصين حول الحكامة المؤسساتية. فالوزيرة المعزولة تظل مواطنة مغربية تحترم حقوقها الإنسانية والشخصية، والنقد الموجه هنا لا يستهدف شخصها بل يرصد الخلل الذي سمح بوصول ملفها إلى نقطة النهاية دون رصد مسبق.
وهذا ما يفرض على القيادة السياسية لحزب الاستقلال، الخروج عن صمتها وتقديم تفسيرات مقنعة للرأي العام حول المعايير والآليات المعتمدة في تزكية الأسماء، بعيدا عن منطق التوازنات الحزبية الضيقة وتقاسم الحقائب. كما يستوجب الأمر مساءلة ذاتية داخل دواليب الإدارة الترابية والأمنية لمعرفة كيف سقطت هذه التفاصيل الطبية والقانونية الحرجة من رادار التدقيق المسبق.
إن إعفاء الوزيرة في ظرف قياسي (48 ساعة) وإن كان يشهد على سرعة تدارك الخطأ، إلا أنه لا يغلق الملف. بل يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول:
مدى جدية وموثوقية مساطر التدقيق القبلي التي خضعت لها باقي الأسماء التي شكلت الحكومة.
الضمانات الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الثغرات التي تسيء إلى صورة المؤسسات وتفرغ مسطرة التعيينات السامية من عمقها الدستوري والرقابي.
المغرب اليوم، في ظل التحديات الجسام التي تواجهها البلاد، بحاجة إلى نخبة سياسية وإدارية وأمنية تتحلى بأعلى معايير الحيطة والنزاهة واليقظة، ليكون التعيين في المناصب العليا استحقاقا حقيقيا للكفاءة والمسؤولية.





























