بقلم / اسماعيل بوقاسم
في حسابات التعبير والجمال، لا يقاس البعد الجمالي بنور القرب من المركز، بل بقدرة الضوء على النفاذ إلى أقصى الهوامش والتغلغل في وجدان الناس، غير أن خشبة المسرح المغربي، وبكل ما تحمله من رسالة، ما زالت تدبر بحبال المركزية المتحكمة، وتكبلها تدابير بيروقراطية تأبى أن تفرِج عن اللامركزية واللاتمركز الإداري.
لقد قرع جلالة الملك مرة أخرى ناقوس الخطر في حضرة نواب الأمة، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، موجها خطابا حازما لرئيسة الحكومة والبرلمانيين، خطابا وضع فيه اليد على مكامن الجرح حين سجل صراحة وجود اختلالات وتأخيرات تعرقل تنزيل ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. وجاء التوجيه الملكي قاطعا لا يحتمل التأويل بقوله : (لم يعد مقبولا أي تأخير أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات).
هذا التوجيه الملكي السامي ليس مجرد خبر يعزز مذكرات الإدارة، بل هو صفارة إنذار بضرورة كسر الأصنام البيروقراطية. وهو مرآة تعكس حقيقة معاناة طالما بحت أصوات ومذكرات الهيئات التمثيلية المسرحية، برفعها إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل.
لقد طالبت الهيئات مرارا وتكرارا بتنزيل مضامين الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية في دعم المشاريع المسرحية، وحثت الوزارة على تفويض صلاحيات تدبير الشأن المسرحي إداريا وماليا على المستوى الجهوي. إلا أن صدى مطالبها المشروعة كان يصطدم دوما بالجدار السميك لـ "عقلية المركز"، تلك العقلية التي تتعامل مع الجهات وكأنها مجرد ملحقات هامشية، وتعتقد أن نقل الاختصاصات والاعتمادات المالية تهديد لنفوذها ووجودها، وليس ضرورة وطنية لتحديث الدولة والارتقاء بجودة خدماتها.
و انسجاما مع هذه الرؤية الملكية السديدة، الوزارة الوصية مدعوة صراحة إلى نقل مسلسل الدعم المسرحي كليا من قبضة المركز بالرباط إلى المديريات الجهوية، لتتولى كل جهة إدارة اعتماداتها وتقييم ملفاتها وفق خصائصها وتطلعات مبدعيها المحليين. كما يقتضي مبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص إعادة هيكلة "المهرجان الوطني للمسرح"، ليكون ممثلا بحق لجميع جهات المملكة دون استثناء، وذلك عبر إحداث لجان انتقاء جهوية محايدة تتولى اختيار أجود العروض المسرحية المنتجة بكل جهة، لتضمن لجميع الفرق والمبدعين في ربوع الوطن حظوة التمثيل والدعم والإنصاف بعيدا عن أشكال الانتقاء المركزي الضيق.
إن المسرح في جوهره فعل تحرر واحتفاء بالتنوع المجالي والإنساني، ولا يمكن لفن يحمل نبض الشارع وأحلام الفئات الواسعة من المواطنين أن ينشط ويزدهر وهو ينتظر التأشيرة " الفيزا " والقرار من مكاتب وممرات الوزارة المركزية بالرباط. كيف نطالب الإدارة الترابية والفرق المسرحية الجهوية بإحداث نهضة ثقافية وفنية، ومفاتيح القرار والموارد والوسائل ما زالت محتجزة في الرباط..؟
إن الاستمرار في اختزال ورش اللاتمركز الإداري في اجتماعات صورية ولجان شكلية، مع الإصرار على الاحتفاظ بسلطة التوزيع والتأشير المركزي للدعم المسرحي، يمثل خروجا صريحا عن روح ميثاق 2018 والمنشور الحكومي لسنة 2020، ويتعارض كليا مع الإرادة الملكية السامية الداعية إلى العمل الميداني والوقوف على المشاكل الحقيقية لكل جهة.
إن الاختبار الحقيقي والامتحان الفعلي لوزارة الشباب والثقافة والتواصل اليوم، هو الامتثال الفوري للخطاب الملكي الحاسم، بإنهاء مسلسل التماطل، والإفراج عن الصلاحيات والاعتمادات لصالح المصالح اللاممركزة بالجهات. فالجهة ليست مجرد خط إداري على خريطة المملكة، بل هي قلب ينبض بالحياة والإبداع.
لقد حان الوقت لتفك أغلال المركز عن المسرح، ولتفتح أبواب العدالة المجالية والدعم الترابي الناجع، ليتنفس فن الخشبة حريته، وليكون حقا للجميع وفي كل الأرجاء.





























