هناك سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا اليوم، بكل هدوء وصدق:
لماذا عندما تصل امرأة مغربية إلى موقع سياسي كبير، يبدأ بعض الناس في البحث في حياتها الخاصة، بدل البحث في أفكارها وأعمالها وقراراتها؟
في 29 شتنبر 2026، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، وكلّفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.
لكن هذا الوصول لم يبدأ يوم تعيينها.
فاطمة الزهراء المنصوري ليست امرأة ظهرت فجأة في المشهد السياسي. فقد راكمت سنوات من العمل السياسي والانتخابي والحزبي، وتولت مسؤوليات محلية وحكومية، قبل أن تصل إلى رئاسة الحكومة.
ومن الطبيعي أن يختلف المغاربة معها.
ومن الطبيعي أيضًا أن ينتقدوا قراراتها، وأن يسألوها عن برامج حكومتها، وعن الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والسكن، والعدالة الاجتماعية، وعن كل ملف يمس حياة المواطن المغربي.
هذا هو حق المواطن، وهذه هي السياسة.
لكن عندما يتحول النقاش من البرنامج والأداء والقرارات إلى الزواج والطلاق والملابس والحياة الشخصية والسمعة، فإننا نبتعد عن السياسة ونقترب من شيء آخر تمامًا.
فهل الحالة العائلية للسياسي هي معيار الكفاءة؟
وهل المرأة تصبح أقل قدرة على تحمل المسؤولية لأنها مطلقة؟
وهل الزواج هو الشهادة التي يجب أن تقدمها المرأة للمجتمع حتى تحصل على الاحترام؟
بالطبع لا.
المرأة لا تصبح أقل قيمة لأنها مطلقة، كما أنها لا تصبح أكثر قيمة لأنها متزوجة.
والرجل السياسي لا يفقد أهليته السياسية بسبب حالته العائلية، فلماذا تُعامل المرأة بمعيار مختلف؟
عندما يصبح النقد السياسي محاكمة للمرأة
يمكن أن نختلف مع فاطمة الزهراء المنصوري سياسيًا.
يمكن أن ننتقد أداءها.
يمكن أن نختلف مع حزبها أو توجهاتها.
ويمكن للمواطن أن يطالبها بتقديم الحساب عن كل قرار تتخذه حكومتها.
لكن هناك فرق كبير بين النقد السياسي وبين الإهانة الشخصية.
إذا أخطأت، قولوا إنها أخطأت.
إذا فشل برنامج، ناقشوا نتائجه.
إذا كانت هناك أرقام سلبية، قدموا الأرقام.
إذا كان هناك قرار يحتاج إلى مراجعة، طالبوا بالمراجعة.
أما تحويل امرأة سياسية إلى موضوع للشائعات، أو اختزال مسيرتها في وضعها العائلي، أو التشكيك في كرامتها لأنها امرأة مطلقة، فليس نقدًا سياسيًا.
إنه إعادة إنتاج لفكرة قديمة تقول إن المرأة يجب أن تثبت أولًا أنها "صالحة" في حياتها الخاصة، قبل أن يُسمح لها بأن تكون ناجحة في الحياة العامة.
والسؤال هنا:
هل نطلب من الرجل السياسي الشيء نفسه؟
الرجل يُسأل عن الاقتصاد، والبطالة، والضرائب، والسياسة الخارجية، والتعليم والصحة، وعن قرارات حكومته.
أما المرأة، فيجد البعض وقتًا لسؤالها عن حياتها الخاصة.
لماذا؟
انظروا إلى الدنمارك
حين أتحدث عن هذا الموضوع، أتذكر الدنمارك، وأتذكر رئيسة حكومتها ميته فريدريكسن.
ميته فريدريكسن تتولى رئاسة الحكومة الدنماركية منذ عام 2019، وشكلت في 3 يونيو 2026 حكومتها الحالية.
الوزارة الأولية
يمكن للدنماركي أن يؤيدها أو يعارضها.
يمكنه أن ينتقد حكومتها وسياساتها.
يمكنه أن يطالبها بتغيير سياسة أو تفسير قرار.
لكن النقاش السياسي الجاد يجب أن ينصب على السياسات والقرارات والنتائج والمسؤولية العامة، لا على قيمة المرأة باعتبارها امرأة.
وهذا مبدأ نحتاج إليه أيضًا في المغرب.
لا نحتاج إلى رئيسة حكومة من الملائكة
أنا لا أكتب هذا المقال لأقول إن فاطمة الزهراء المنصوري فوق النقد.
بل العكس.
أنا أريد أن يكون النقد الموجه إليها أكثر جدية، وأكثر قوة، وأكثر عدلًا.
لا نحتاج إلى رئيسة حكومة من الملائكة.
نحتاج إلى رئيسة حكومة تُحاسَب عندما تخطئ، ويُعترف بما تنجزه عندما تنجح، وتُناقش أفكارها وبرامجها وقراراتها بجدية.
هذه هي السياسة.
وهذه هي المسؤولية.
أما أن نقول للمرأة:
"أنتِ امرأة، لذلك سنفتش أولًا في حياتك الخاصة قبل أن نستمع إلى أفكارك"
فهذا لا يخدم الديمقراطية، ولا يخدم المرأة، ولا يخدم المجتمع.
لحظة تاريخية لكل فتاة مغربية
وصول امرأة مغربية إلى رئاسة الحكومة ليس مجرد خبر سياسي عابر.
إنه أيضًا سؤال اجتماعي كبير.
هناك اليوم فتاة مغربية صغيرة تتابع الأخبار، وترى امرأة مغربية تصل إلى أعلى منصب حكومي في البلاد، وربما تسأل نفسها:
هل أستطيع أنا أيضًا أن أصل يومًا إلى هذا المكان؟
والجواب الذي يجب أن نقدمه لها لا ينبغي أن يكون:
"نعم، ولكن عليك أولًا أن ترضي الناس في حياتك الخاصة."
بل:
نعم، يمكنكِ أن تصلي، إذا امتلكتِ الكفاءة والعمل والإرادة، وسيكون من حق المجتمع أن يحاسبك على أدائك، لا أن يحاكمك على أنوثتك.
لا نريد مجتمعًا يحمي المرأة من النقد.
نريد مجتمعًا ينصفها في النقد.
نريد أن تُحاسَب المرأة السياسية كما يُحاسَب الرجل السياسي: على قراراتها، وعلى نتائج عملها، وعلى مسؤولياتها العامة.
فلنختلف معها… ولكن فلنحترمها كإنسانة
قد يختلف المغاربة مع فاطمة الزهراء المنصوري، وهذا حقهم.
وقد ينتقدون حكومتها، وهذا حقهم أيضًا.
لكن الاختلاف لا يحتاج إلى إهانة.
والنقد لا يحتاج إلى تجريح.
والسياسة لا تحتاج إلى النبش في الحياة الخاصة.
لقد وصلت امرأة مغربية، بعد سنوات من العمل السياسي، إلى رئاسة الحكومة. وهذا واقع سياسي جديد في تاريخ المغرب.
فلنحاكم تجربتها بما ستقدمه للمغاربة.
فلنسألها عن المدارس والمستشفيات والشغل والسكن والاستثمار والعدالة الاجتماعية.
فلنسألها عن وعودها وبرامجها وقراراتها.
لكن دعونا لا نسألها إن كانت تستحق الاحترام لأنها متزوجة أو مطلقة.
فالاحترام ليس مكافأة تمنحها الحالة العائلية.
والكفاءة ليست مرتبطة بالحالة الزوجية.
والمرأة لا تحتاج إلى زوج حتى تثبت للمجتمع أنها تستحق مكانتها.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:
"هل تستحق فاطمة الزهراء المنصوري أن تكون رئيسة للحكومة؟"
بل:
"هل نحن، كمجتمع، مستعدون أخيرًا لأن نحاسب المرأة السياسية بعقلنا السياسي، لا بأحكامنا على حياتها الخاصة؟"
هنا تبدأ المعركة الحقيقية من أجل المرأة المغربية.
بقلم: جليلة صادق




























