افتتح السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 بمدينة فاس، أشغال الدورة التكوينية الأولى حول موضوع «الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان»، المنظمة من طرف رئاسة النيابة العامة، بدعم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، وذلك في إطار برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان، وتنزيلاً للمخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة للفترة 2026-2028.
وتندرج هذه الدورة في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل التطور التكنولوجي، وما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات لتطوير أساليب العمل وتحسين الأداء، لاسيما في مجال العدالة الجنائية، وما يثيره في المقابل من تحديات قانونية وأخلاقية وحقوقية تستدعي التأطير والمواكبة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد السيد رئيس النيابة العامة أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة يتيح فرصاً واعدة لتطوير أساليب البحث والتحري، وتحليل المعطيات الرقمية، ورصد الأنشطة الإجرامية، والكشف عن الجرائم السيبرانية والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، مشدداً على ضرورة استثمار هذه الإمكانات في تعزيز نجاعة العدالة وجودتها، مع التقيد بالمشروعية واحترام الحقوق والحريات الأساسية.
كما أبرز أن استخدام الأنظمة الذكية في مجال العدالة الجنائية يطرح إشكالات تتعلق بدقة النتائج، وإمكانية تفسيرها والتحقق منها، وحماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي، فضلاً عن المخاطر المحتملة المرتبطة بالتمييز أو المساس بضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا الإطار، شدد السيد رئيس النيابة العامة على ضرورة إخضاع مخرجات الذكاء الاصطناعي للفحص والتحقق والتقييم النقدي، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية، مع التمييز بين المؤشرات التقنية والأدلة القابلة للاستناد إليها قانوناً، والتأكد من مصدر الأدلة الرقمية وسلامتها ومشروعية الحصول عليها ومدى موثوقية الأدوات المستعملة في تحليلها.
وأكد، في السياق ذاته، أن اعتماد هذه التقنيات يجب ألا يؤدي إلى المساس بقرينة البراءة أو الحق في الدفاع أو استقلال التقدير القضائي، مبرزاً أهمية الإشراف البشري الفعلي، ووضوح المسؤوليات، وتوفير الضمانات اللازمة للمساءلة وتصحيح الأخطاء، بما يضمن بقاء التكنولوجيا في خدمة القانون والعدالة.
وأشار السيد رئيس النيابة العامة إلى أهمية المرجعيات الدولية المؤطرة لحكامة الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لسنة 2021، ومبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن الذكاء الاصطناعي لسنة 2019، والاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون لسنة 2024، فضلاً عن أعمال المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
وأوضح أن هذه المرجعيات تؤكد أهمية احترام حقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ومكافحة التمييز، وضمان الإشراف البشري، واعتماد مقاربة قائمة على تقييم المخاطر وتناسب التدابير المتخذة مع طبيعة الاستخدام وآثاره المحتملة.
وعلى مستوى عمل النيابة العامة، أبرز السيد رئيس النيابة العامة أن مواكبة التحول الرقمي تشكل أحد التوجهات الاستراتيجية الرامية إلى تطوير الأداء القضائي، وتأهيل الموارد البشرية، وتحديث أساليب العمل، والارتقاء بجودة الخدمات القضائية، انسجاماً مع المرتكز الثالث للمخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة للفترة 2026-2028، المتعلق باعتماد الرقمنة ودمج التكنولوجيا الحديثة كخيار استراتيجي.
وفي هذا الصدد، أكد أن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من المعطيات، ودعم الأبحاث المتعلقة بالجرائم السيبرانية والاحتيال المالي وبرمجيات الفدية والجريمة المنظمة، تظل رهينة باحترام الاختصاصات القانونية للنيابة العامة، وضمان قانونية إجراءات البحث والتحري، وسلامة الأدلة الرقمية وموثوقيتها، وعدم إحلال التقدير الآلي محل التقييم القضائي.
كما شدد على ضرورة التقيد بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، باعتباره الإطار القانوني المنظم لإجراءات البحث والتحري وجمع الأدلة وممارسة الدعوى العمومية.
وتتضمن هذه الدورة التكوينية، التي يؤطرها خبيران دوليان متخصصان في مجال الذكاء الاصطناعي، محاور تهم المفاهيم الأساسية لهذه التكنولوجيا، وحكامة استخدامها على المستوى الدولي، وآثارها على الحقوق والحريات، فضلاً عن تطبيقاتها في الأبحاث الجنائية وتحليل الأدلة الرقمية ومكافحة الجرائم السيبرانية.
ويروم هذا البرنامج التكويني تمكين المسؤولين القضائيين بالنيابة العامة من الاطلاع على التجارب المقارنة والممارسات الفضلى، وتعميق فهمهم للإشكالات التقنية والقانونية والحقوقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة الجنائية، بما يسهم في تطوير الممارسة القضائية وتعزيز حماية حقوق الإنسان.
وفي ختام كلمته، نوه السيد رئيس النيابة العامة بدعم مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن ومساهمته في تنفيذ هذا البرنامج، معرباً عن أمله في أن تسهم أشغال هذه الدورة في تعزيز قدرات المسؤولين القضائيين ومواكبة التحولات الرقمية، بما يخدم العدالة ويصون الحقوق والحريات.




























