حين تتحول عدسات الكاميرات إلى شهادات زور لطمس معالم الجريمة، يسقط الجلاد في فخ تبييض الماضي الأليم على وقع صور ملغومة. فما شهدته مدينة تيفلت مؤخرا من استعراضات احتفالية وحضور فنانين في حضرة الكوميسير السابق محمود عرشان يصافحونه ويأخذ معهم صورا تذكارية، لم يكن مجرد حدث فني أو مهرجان ثقافي بريء، بل هو حلقة جديدة ضمن مسلسلات السطو على الذاكرة الجماعية، واستغلال ممنهج لرصيد فنانين لتجميل وجه جلاد الأمس.
هذا الاستغلال البائس للاحتفالات على مآسي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، يستدعي اليوم من الهيئات الحقوقية والإنسانية، وقفة تأمل ونقد صارمة، ليس فقط لتعرية محاولات دفن التاريخ فوق موائد الشامبانيا والولائم، بل لمساءلة دور الفنان حين يتخلى عن رسالته الإنسانية ليصبح بوقا يمحو آثار التعذيب في مشهد مشبوه، طامسا بدم بارد صراخ دروب وصفحات الألم.
الخطورة لا تكمن فقط في محاولة تبييض حقيقة سنوات الجمر والرصاص، بل في تورط المبدع نفسه في هذه الجريمة الناعمة. حين يرضى الفنان أن يبيع صورته وموقفه ليتحول إلى مجرد كومبارس في مشهد احتفالي ملغوم، فإنه لا يفرط في نفسه فحسب، بل يطعن في عمق كل المعاني التي ولد الفن من أجلها.
فالفنان الحقيقي لم يكن يوما مرآة لطمس الحقيقة ولا بوصلة لتجميل وجه الطغيان، لأن الفن يولد دائما من رحم الوجع، ليكون صرخة مدوية في وجه الذاكرة المشوشة، ودرعا من نحاس يحمي جراح التاريخ من رياح النسيان العاتية.
وحين يحني المبدع هامته ليكون كومبارسا في مشهد مفخخ، فإنه لا يلوث الذاكرة فحسب، بل يرتكب خيانة كبرى بحق الضمير الجمعي، مساهما عن علم أو جهل في إقبار حقيقة سنوات الوجع.
فالذاكرة الإنسانية ليست مجرد ألبوم صور فوتوغرافية يستعرض في الولائم الفخمة، وليست طقسا موسميا تغسل فيه خطايا التاريخ بعدسات الكاميرات في حضرة وجوه لا تشبه الوجوه في شيء.
ولن تصبح الذاكرة رهينة في أيدي "تجار الاحتفالات"، ممن يستبدلون حقائق التاريخ بمظاهر السخاء المزيفة. فما وقع بمهرجان مدينة تيفلت في حضرة الجلاد، ليس سوى شكل من أشكال الوصاية الثقافية العبثية التي تظن واهمة أن سخاء الولائم وفخامتها قادر على تدجين الوعي ودفن الأوجاع تحت إيقاعات "بنادر" الانتهازية.
إن التقاط الصور التذكارية فوق المآسي لا يرمم الجراح بل ينثر الملح عليها، والتاريخ الحقيقي لا يكتب بمداد المداهنة والتملق، ولا تداس أوجاع الضحايا تحت أقدام الاحتفالات الماكرة. لكن هيهات، فالذاكرة الإنسانية الحية أطول أثرا من كل محاولات التدجين، وأعصى على أن تطمس ببريق الشهرة الكاذبة.
الأوجاع لا تدفن بالولائم، والتاريخ لا يدون بالمجاملات، بل يحفر في صخر الضمير بدموع المقهورين وأنين المهمشين. فإما أن يكون الفنان صرخة حق تقض مضاجع النسيان، أو ليصمت صمتا أبديا يحفظ له ما تبقى من كرامة الكلمة ونقاء الروح، قبل أن يسقط في حفرة النسيان الأبدي.





























