أمينة بوعياش ... من جهاد النكاح إلى المناصفة في الإرث.
....................
أمينة بوعياش يسارية قديمة، وحين أجدها تتحدث عن الحريات الفردية بمقاربتها الخاصة، فإنني أحترمها جدا، لأنها بنت بيئتها، فبعض اليساريات في عهدها كن رائدات نضال/جهاد النكاح، وكن يقدمن خدمات جنسية لليساريين، وهذا تعرفه الرفيقة أمينة جيدا.
وبعض اليساريات كن مناضلات الصف الأول، خصوصا منهن الجميلات، حيث كن يقمن بزيارات للمعتقلين اليساريين في السجن، ويقدمن لهن الخدمات هناك، وقد أثمرت هذه العلاقات زيجات وأبناء وطلاق وغير ذلك، والرفيقة أمينة تعرف ذلك جيدا.
لهذه الاعتبارات، فإن أمينة حين تتحدث عن الحريات الفردية بمقاربتها تلك، فإنني أحترمها. لأنها بنت تلك البيئة.
وشخصيا، لا أصنف أمينة ضمن تلك المناضلات الجنسيات، فليست اليساريات كلهن مطبقات لذلك المبدأ، وإن كن في الغالب مؤيدات له، عارفات به.
والجنس عموما وفي كل التيارات وفي كل مناطق العالم عنصر جذب، تم التصريح بذلك أو لم يتم.
لكن، للرفيقة وغيرها من الرفيقات تصريحات حول الإرث، وهي تصريحات أحترمها وأحترم أصحابها، لأنهم أبناء بيئتهم، فكثير من اليساريين يحملون عداء للدين، وبتعبير أدق، يحملون عداء للإسلام. وكنت أناقش مع كثير منهم، وكانوا لا يتركون مناسبة تمر دون السخرية والطنز من مقولات الإسلام وتعاليمه وشعائره، وبمجرد ما نناقش عرضا اليهودية، فإنهم يبلعون لسانهم، وأحيانا يواجهوننا بأن ذلك معاداة للسامية. ويصرحون باحترام الأديان.
سبحان الله ...
الإسلام: سخرية وطنز.
اليهودية: احترام وعدم معاداة السامية.
كنت أصاب بالحيرة وأنا طالب مناقش لهؤلاء، وكنت أفسر أحيانا ذلك بالجذور اليهودية لكثير من مؤثري اليسار العالميين، وأحيانا أظن ذلك راجعا إلى احترامهم لإبراهام السرفاتي اليهودي الذي كان قائدهم، وأحيانا أفسر ذلك بكونه حقد دفين على الإسلام خصوصا وليس على الدين عموما.
هذا الحقد سيبقى دفينا عند كثير من اليساريين، إلى ان جاء المخلص فؤاد، فكان مضطرا لمحاربة الإسلاميين، فوجد الحاقدين على الإسلام والإسلاميين أهم وسيلة وأداة، فاستقطب واستدرج قدماء مناضلي اليسار، للقيام بهذه المهمة، (هنا نوجه التحية للأستاذين الساسي وحفيظ اللذين جالساه مرة أو مرتين ولم يقبلا بالاستدراج والاستقطاب).
هؤلاء اليساريون سيجدون فرصتهم للانقضاض على الفريسة بدعم قوي من أقوى رجل في السلطة، وقد استفادوا مرتين:
الاستفادة الأولى: أطلق لهم لسانهم لقول كل شيء. فأخرجوا مكنونات أنفسهم، ونفسوا عن دواخلها.
الاستفادة الثانية: ملأ لهم بطونهم وجيوبهم وأغدق عليهم المناصب، فكانوا قادة البرلمان وقادة العمل الديبلوماسي وهلم جرا.
في هذا السياق، يطلق منتفعو اليسار بين الفينة والأخرى تصريحات للبوز، وهم أول من يعي أن تلك التصريحات لن تجد لها طريقا للأجرأة، وهم أول من سيقبل يد من سيحول دون أجرأتها. هكذا هم. لا أسميهم مرتزقة بالمعنى السلبي، ولكنهم مرتزقة بالمعنى الإيجابي (هذه تقنية مهمة لتسويغ ما لا يستساغ).
والرفيقة أمينة من هذا الصنف، إطلاق التصريحات وإن كانت متعارضة مع (إمارة المومنين)، وفي المقابل، تدعو إلى (إمارة المومنين) وتعلي من شأن مؤسسة (إمارة المومنين).
لذلك أقول لمن يخاف من تصريحاتها، أبشروا، هي أصلا لا تعلن ذلك من أجل التطبيق، وإنما للبوز ليس إلا.
ولكي أبين للقراء أنها للبوز فقط، نرجع إلى تصريحها.
أولا: اعتبرت أن النظام الحالي في الإرث يحمل تمييزا للرجال.
هنا معها حق، ولكن، منصب ولاية العهد فيه تمييز للرجال أيضا، ومنصب الجلوس على العرش فيه تمييز للرجال أيضا، فلماذا لا تطالب بإحداث تغيير في هذين المنصبين؟
الجواب فيه احتمالان:
الأول: لأنها لا تؤمن بالمساواة، لذلك تقبل بالتمييز في الجلوس على العرش عن قناعة، وتستعمل التمييز في الإرث مجرد بوز.
الثاني: لأنها تؤمن بالمساواة عن اقتناع، لكنها لا تستطيع أن ترفع صوتها على النص الدستوري، وتتجرأ على النص القرآني، وهذا خوف وجبن، حري بالمناضلة اليسارية ألا تقع في شباكه.
ثم قالت أمينة بأن نظام الإرث يؤنث الفقر.
وغريب أن يصدر هذا التصريح عن عاقل. لأن نظام الإرث ليس بانيا للثروة، وليس رافعة للتنمية، فما علاقته بصناعة الفقر؟
وهنا نجد الإلزامات الآتية:
الأول: لنفرض أن الشخص الميت فقير من الأصل، أو يتجاوز الفقر بالكاد، وهؤلاء هم الغالب في المجتمع، فنظام الإرث ــ حسب منطقها ــ يزرع الفقر تأنيثا وتذكيرا. فعليها وهي الحقوقية الكبيرة أن تناضل من أجل محاربة الفقر أولا، حتى يتجنب الورثة لافقر إناثا وذكورا.
الثاني: لنفرض أن الشخص لم يمت إلا بعد الثمانين أو التسعين من عمره، ولم يرث أبناؤه منه إلا بعد بلوغهم الستين، فإن طول عمره كان سببا في طول أمد الفقر عند الوارثين، وبما انها حقوقية موقرة، فما عليها إلا أن تطالب بوضع حد أقصى للحياة حتى لا يطول عمر الناس فلا يطول عمر الفقر عند ورثتهم، أو أن تطالب بوضع خطة وطنية لمحاربة الفقر باعتبار ذلك ضمن أجندة الحقوقيين.
الثالث: لنفرض أن الربط بين التوريث والفقر صحيح كما ادعت الرفيقة، فهذا سيورث حقدا من الورثة تجاه الموروث، وسيتمنون وفاته صباح مساء لينالوا حظهم من الإرث.
من غرائب هذه الرفيقة أنها ستحتج على نظام الإرث بنص الدستور، فأوردت الفصل 19 الذي ينص على تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وادعت أن هذا النص الدستوري يتعارض مع قانون آخر هو مدونة الأسرة، ولو كانت جدية في طرحها، لما قامت بمقارنة خارجية بين هذه المادة الدستورية وقانون آخر، بل كان لزاما عليها أن تعقد مقارنة داخلية بين هذه المادة الدستورية التي تنص على المساواة بين الرجل والمرأة، والمادة الدستورية الأخرى التي لا تساوي بين الرجل والمرأة في الجلوس على العرش وولاية العهد.
لأن المقارنة الداخلية أولى من المقارنة الخارجية كما هو معهود عند العقلاء، ولكن بوعياش تصنع البوز ليس إلا.
الذي يجب أن تعرفه بوعياش والبوعياشيون (أقصد: من يحملون فكرها)، أن الشخص مطالب أن يبني ثروته بنفسه، وليس مطالبا بأن ينتظر غيره ليموت كي يبني ثروة أو فقرا.
وأن ما حصل عليه الإنسان من الإرث هو هبة من الله جاءته بسبب واحد، هو موت القريب القريب أو القريب البعيد، والثروة والتنمية لا تُبنى على وفاة الناس.
على الرفيقة بوعياش أن تستثمر كل الهوامش المتاحة لديها إن كانت حقوقية بالفعل، وأن تعمل على ضمان المواطنين للحصول على حظهم من الثروة دون انتظار موت أحد.
وعلى الرفيقة بوعياش أن تناضل من أجل عدم تكرار استخلاص 17 مليار درهم من جيوب المغاربة بطريقة مريبة. بهذا لا نذكر ولا نؤنث الفقر.
وعلى الرفيقة بوعياش التي تندد بطرق المغاربة في حرمان البنات من الإرث بالوصية والصدقة والهبة، أن تناضل من أجل استرجاع الريع الذي قدمته الدولة لبعض الكبار في إطار ما يعرف بخدام الدولة، لأنه هبة مقنعة، وكذا أن تناضل من أجل استرجاع الضيعات الكبيرة التي أعطيت لكبار الجنرالات ولكبار الساسة ولكبار "الحقوقيين"، ذلك التوزيع الذي يصنع تأنيث الفقر، باستخدام النساء في الضيعات بطريقة لا ترتضيها بوعياش ومن معها، وليس توزيع الإرث هو الذي يصنع تأنيث الفقر.
أخطر شيء على المرأة هو أن تكون مجرد أداة للاستعمال في صراع البوز، وأخطر من كل خطير هو أن تستعمل المرأةُ المرأةَ في الصراع الإيديولوجي باطنا، الحقوقي ظاهرا.






























