ما أجمل أن نكتب للحياة، وللأنا التي ترغب في إشباع غرائزها في صورتها المتحضرة التي يقبلها المجتمع؛ وأن نعبر عن ذواتنا ومشاعرنا، وعن الإدراك والتفكير، وعن المبادئ وواقعنا وواقعيتنا، وعن ذلك الضمير الذي يتجه نحو الكمال. نكتب من عمق ثقافتنا، ومن داخل خيال واسع، حين نتحدث إلى أنفسنا، وحين يختلجنا الوجد وتلبسنا خاطرة الشعر، فنبوح بجوانيتنا، بصدق الحديث ووفاء العهد الذي يربطنا بذواتنا الشاعرة.
في لحظة البوح وكشف أسرار الخيال، نلج متاهات النفس، ونضل في دروبها، لا لنبقى تائهين، وإنما لنخرج منها بأجود ما تختزنه أرواحنا من درر وكنوز إبداعية، نجسدها على البياض كلماتٍ ساحرة تستميل القلوب وتروي عطش المتلقي، وموسيقى تشنف الأسماع وتمتعها.
والشاعر إبراهيم موساوي يكتب بإحساس مرهف، يتيه بين أفكاره كما يتيه بين ألوان لوحاته؛ يغزل أشعاره على نسق جميل التركيب، وفكر متلائم الترتيب، بلغة راقية في مبناها ومعناها، ومفردات ذات دلالات عميقة وطاقات تعبيرية موحية.
تمتاز تجربته بشاعرية فياضة وموهبة واضحة في قول الشعر، وهي تجربة تستلهم روح الشعر العربي القديم، ولا سيما في نماذجه العمودية، حيث كثافة اللغة، وقوة الصورة، وجزالة التعبير. إنه يمخر عباب اللغة، ويبرع في دقة التصوير، ويعرف كيف يقطف النصوص الناضجة ويقدمها للمتلقي في أبهى صورة وأشهى طبق؛ ماهر في طبخ الحروف وتهيئتها للنشر، حتى تستوي القصيدة على نار التجربة، ويكتمل مذاقها الفني.
وفي شعره يلتقي الإحساس العاطفي بالنفس الصوفية، ويمتزج الشجن بتهييج المشاعر، فتتشكل تجربة شعرية لها بصمتها الخاصة، بعيدة عن المحاكاة والتقليد، وقادرة على بناء عالمها الجمالي من داخلها.
وديوان «مراشف السمراء» الذي بين أيدينا ليس إلا ثمرة لهذا الجهد، وانعكاسا صادقا لروح الشاعر وتجربته. فقد جمع بين دفتيه مجموعة من القصائد التي تحمل في ظاهرها رمزية القهوة، غير أنها في عمقها الأدبي تنطوي على مضامين صوفية ووجدانية وروحية ماتعة، تؤسس لعلاقات روحية وتواصل عاطفي يتجاوز المباشر والمحسوس إلى ما هو أعمق وأبعد.
كما ينهض الديوان على أدب الحوار والردود، في إشاراته وإيحاءاته، بما يفتح أمام القارئ مساحات متعددة للتأويل، ويمنح النصوص قابلية للحوار مع المتلقي.
إنه ديوان يستثمر بحور الشعر العربي التي أصلها الخليل بن أحمد الفراهيدي، في حلة فنية مبهرة، ويعتمد لغة راقية ومفردات تستدعي روح الرعيل الأول من شعراء العربية، حتى ليشعر القارئ أحيانا أنه أمام صدى من أصداء الشعر في صدر الإسلام وما تلاه، سواء في جزالة القريض أو في قوة نقل الصورة وتشكيلها.
وقد حملني الأستاذ الشاعر إبراهيم موساوي أمانة تقديم منجزه، فوجدت نفسي عالقا بين القبول والاعتذار؛ لكنني آثرت أن أكتب ما تيسر من هذه السطور، إكراما لشخصه، واحتفاء بتجربته، وإنصافا لمنجز شعري يستحق القراءة والتأمل.
أتمنى للشاعر إبراهيم موساوي كل التوفيق في مسيرته الإبداعية، وأن يواصل رحلته في فضاءات الشعر، وفي قطف ثمار تجربته، وأن يجد «مراشف السمراء» طريقه إلى قلوب القراء وذائقتهم، وأن يكون هذا الديوان محطة أخرى في مسار شعري واعد ومتميز .
حسن ميري




























