بعد مرور ما يقارب عقدين من الزمن على صدور مدونة الأسرة، يسعى المغرب إلى تعزيز أكبر لدور الأسرة كمؤسسة مركزية من خلال مراجعة شاملة لهذه المدونة، وهو ورش إصلاحي يقوده جلالة الملك نصره الله، ويوليه متابعة حثيثة، بهدف إرساء قواعد متينة تعزز استقرار المجتمع وتطوره، فهذه المبادرة ليست مجرد تعديل قانوني، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى تحقيق مصالح جميع المواطنات والمواطنين، وتوفير بيئة أسرية متينة تدعم استقرار المجتمع وتطوره.
وفي هذا السياق، ترأس صاحب الجلالة نصره الله، اليوم جلسة عمل، خصصت لموضوع مراجعة مدونة الأسرة، حضرها، عن الجانب الحكومي، رئيس الحكومة، ووزير العدل ووزير الأوقاف والشؤون ووزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، وذلك في أعقاب انتهاء المراحل التحضيرية لمسلسل مراجعة مدونة الأسرة، خصوصا بعد رفع الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة إلى جلالة الملك، داخل الأجل المحدد لها، تقريرا يتضمن أكثر من مائة مقترح تعديل، وبعدما تفضل جلالة الملك أمير المؤمنين بإحالة المقترحات المرتبطة بنصوص دينية على نظر المجلس العلمي الأعلى، الذي أصدر بشأنها رأيا شرعيا وكذلك بعد قيام جلالة الملك بالتحكيمات الضرورية التي تنشد مصلحة الأسرة المغربية وفق المرجعيات والغايات المرجوة، وفي ظل الضوابط التي حددها جلالة الملك وفي مقدمتها ضابط عدم تحريم حلال ولا تحليل حرام.
هذا وقد دعا جلالة الملك، نصره الله، المجلس العلمي الأعلى إلى إحداث إطار مناسب ضمن هيكلته، تكون مهمته هي مواصلة التفكير والاجتهاد البناء في موضوع الأسرة، وتعميق البحث في الإشكالات الفقهية التي تطرحها التطورات المحيطة بالأسرة المغربية، وما تتطلبه من أجوبة تجديدية تساير متطلبات العصر، متطلعا جلالته إلى جعل باب الاجتهاد مفتوحا باستمرار بما يخدم المصلحة السامية للأسرة، في ظل تطور المجتمع، وأن لا يتطبع الاجتهاد بالطابع الموسمي أو يبقى رهينا بطلب الفتوى من المجلس العلمي الأعلى.
وفي السياق ذاته، كلف جلالة الملك رئيس الحكومة والوزراء المعنيين بضرورة وراهنية التواصل مع الرأي العام بخصوص موضوع مراجعة مدونة الأسرة، باعتبارها تهم جميع الشرائح والفئات المجتمعية، مشددا جلالته على إحاطة المواطنات والمواطنين بمستجدات مراجعة مدونة الأسرة، والمضامين الرئيسة لهذه المراجعة، والتي ستسهر الحكومة على حسن بلورتها وصياغتها في مبادرة تشريعية داخل آجال معقولة، وذلك من خلال تقديم تصريح صحفي للرأي العام حول هذا الموضوع.
ويعتبر هذا الإصلاح المتوازن، الذي يمثل المرحلة الأخيرة من عملية مراجعة المدونة، مع احتمال ظهور مدونة جديدة تعكس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، خطوة متقدمة نحو تحقيق مصلحة الأسرة المغربية وتطورها. وهنا يتضح الطابع الجوهري لهذا الإصلاح الذي يعد مصلحة الأسرة وتطورها البوصلة الوحيدة له.
ومن أبرز أبعاد هذا الإصلاح هو المشاركة الواسعة لجميع الفئات المجتمعية، فقد تم اعتماد نهج تشاركي شامل يتيح للجميع، سواء كانوا حداثيين أو محافظين، بإبداء آرائهم وتصوراتهم حول هذا الورش الوطني المهم، مما يضمن أن تكون الإصلاحات متوازنة وتعكس تطلعات الجميع. إذ أن هذا النهج التشاركي يساهم في خلق بيئة قانونية أكثر عدلا، ويعزز من فعالية القوانين الجديدة في حماية الأسر المغربية.
ويمثل النموذج المغربي في هذا المجال تفردا على المستوى الإقليمي والدولي، فالمملكة تعتمد مقاربة ديناميكية ومنفتحة تجاه القضايا الأسرية تجعلها رائدة في معالجة هذه القضايا بما يتماشى مع القيم الإسلامية والقيم الكونية المستمدة من الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، مع التركيز على حماية ورفاهية المجتمع وتعزيز قيم مبادئ العدل والمساواة والتضامن والانسجام.



























