.
كتب – علي خليل :
رحيل الطبيب المصري في الخارج يفتح جرحًا قديمًا: كيف نتعامل مع المختلف والمبتكر؟
وفاة الطبيب المصري الذي أثار جدلًا واسعًا بسبب دعوته للعلاج المستخلص من النباتات الطبيعية، ورفضه الاعتماد الكامل
على الأدوية المصنعة، أعادت سؤالًا مؤلمًا إلى الواجهة: لماذا يتحول كل صاحب فكرة جديدة في بلادنا إلى متهم قبل أن يصبح محل نقاش علمي جاد؟
المشكلة ليست في الاختلاف مع أي باحث أو طبيب، فمن حق الدولة والمجتمع العلمي أن يطالبا بالدليل، والتجارب السريرية، والتحكيم العلمي، وإثبات السلامة والفاعلية. هذا هو الطريق الصحيح.
لكن الأزمة تبدأ حين يتحول النقاش العلمي إلى سخرية، أو تشهير، أو مطاردة إدارية، أو إقصاء مبكر قبل الفحص الحقيقي.
الدول المتقدمة لا تقدّس أي فكرة جديدة، لكنها أيضًا لا تقتلها بالشماتة أو البيروقراطية. هناك لجان مستقلة، مراكز أبحاث،
جامعات، تمويل، واختبارات. الفكرة الناجحة تُحتضن، والفاشلة تُرفض بأدلة. أما عندنا فكثيرًا ما يُحاكم الشخص قبل الفكرة.
ولدينا نماذج عديدة لعقول مصرية واجهت مقاومة أو اضطرّت للهجرة:
مجدي يعقوب : أسطورة جراحة القلب، صنع مجده الأكبر عالميًا ثم عاد يخدم مصر من موقع القوة.
مصطفى السيد : من أبرز العلماء في النانو تكنولوجي، تألق بحثيًا خارج الحدود.
فاروق الباز : شارك في برامج الفضاء الأمريكية وأصبح اسمًا عالميًا.
أحمد شوقي في الأدب، و نجيب محفوظ في الرواية، كلاهما واجها نقدًا وهجومًا في مراحل مختلفة قبل الاعتراف الكامل بقيمتهما.
أما في الطب تحديدًا، فكم من طبيب أو باحث واجه مقاومة حين طرح جديدًا، لأن المؤسسات عندنا كثيرًا ما تتحرك ببطء،
بينما الهجوم يتحرك بسرعة القضية ليست أن نصدق كل مدّعٍ، ولا أن نرفض كل جديد. القضية أن نملك آلية محترمة:
إذا ظهر مبتكر، تُفتح له أبواب الاختبار العلمي لا أبواب الاتهام.
إذا أخطأ، يُرفض علميًا لا شخصيًا.
إذا نجح، يُكرَّم قبل أن يخطفه الخارج.
ايضا :
(الدكتور أحمد شفيق يُعد من الأسماء البارزة التي ارتبطت بمحاولات تطوير أساليب جراحية حديثة، وطرح رؤى جديدة في
مجال العمليات الدقيقة. لكنه واجه في فترات سابقة أزمات وقضايا وجدلًا واسعًا، وصل إلى مستويات رسمية وإعلامية،
قبل أن يقول القضاء كلمته ويبرئه، ليعود إلى عمله من جديد وهناك أسماء عديدة في البحث الطبي لا يعرفها الإعلام رغم
إنجازاتها وفي الطب داخل مصر، هناك أطباء كثيرون قدّموا اجتهادات كبيرة لكنهم اصطدموا أحيانًا بالبيروقراطية أو ضعف الدعم المؤسسي، حتى إن لم يصبحوا قضايا رأي عام.
والخلاصة الأقوى ليست في تعداد الأسماء، بل في الفكرة نفسها:
العقل المتميز يحتاج بيئة تحميه، وتختبر أفكاره علميًا، وتدعمه إذا نجح، بدلًا من تركه بين التجاهل أو الصراع أو الهجرة.
وهنا يبرز السؤال المهم: لماذا يتحول الخلاف المهني أو العلمي أحيانًا إلى صدام شخصي أو إداري؟
ولماذا لا تكون المرجعية الأولى دائمًا هي اللجان العلمية المتخصصة، بدلًا من التشهير أو الاتهامات المتسرعة؟
توجيه اللوم الحقيقي لا ينبغي أن يُوجَّه إلى الأفراد بقدر ما يُوجَّه إلى أي منظومة قد تُعطّل الكفاءات أو تُقصي المجتهدين
أو تسمح بتحويل المنافسة المهنية إلى صراعات شخصية. فحين يختلط التقييم المهني بالاعتبارات غير الموضوعية، تتراجع
فرص التطوير ويضعف أثر العمل المؤسسي وفي المقابل، تُظهر التجارب أن الأمم لا تتقدم إلا عندما تُحسن حماية عقولها
وتُفعّل مبدأ العدالة في الفرص، وتُرسّخ ثقافة المحاسبة الموضوعية كما أن التقييم القائم على العلم والمعايير الواضحة يظل
هو الضامن الحقيقي لبيئة إنتاجية صحية، بعيدًا عن الأهواء أو الانطباعات الشخصية ومن ثم، يصبح بناء منظومات عادلة
وشفافة ضرورة أساسية لدعم الإبداع، وضمان استمرارية الكفاءات، وتعزيز القدرة على المنافسة والتطور.
السؤال الحقيقي ليس: من أمات وقهر العوضي؟ بل: من أمات فينا احترام العلم وحق الاختلاف؟
فالرجل، الذي عاش في ضجيج ومات في سكون، سواء اتفق الناس معه أو اختلفوا، كان صاحب طرحٍ أثار الجدل وفتح أبوابًا
للنقاش حول الطب البديل والعلاج الطبيعي. وقد اعتُبر أن الواجب كان يقتضي التعامل مع أفكاره بالبحث العلمي والتجربة
والدليل، لا بالاكتفاء بالسخرية أو الإقصاء أو تركه في مواجهة غير متكافئة وفي هذا السياق، لم تُختزل المواجهة في شخصٍ
واحد، بل تجسدت في منظومةٍ كاملة اعتادت التعامل بحذرٍ شديد مع كل طرح جديد قبل فهمه، كما حدث أحيانًا في التعامل
مع الأفكار المختلفة عبر الحصار بدلًا من الاختبار العلمي المنهجي وقد أسهم هذا النهج في تقليص مساحة الحوار العلمي المفتوح في بعض القضايا، وأضعف في حالاتٍ معينة فرص النقاش القائم على الدليل والتجربة، الذي يُعد الأساس في تقييم أي فكرة أو طرح جديد.
كما أن هذه المنظومة، في بعض الحالات، أسهمت في إضعاف الحماس لدى بعض المبتكرين، حين غلبت ردود الفعل
السريعة على منهج التقييم القائم على الدليل. ومع الوقت، قد يؤدي ذلك إلى رحيل بعض الأصوات الهادئة بصمت،
دون أن تُمنح فرصتها الكاملة في النقاش أو التحقق العلمي.
وفي المقابل، يبقى معيار العلم قائمًا على التجربة والبرهان، حيث يتم قبول أو رفض أي فكرة بناءً على نتائجها القابلة للاختبار، لا على الانطباع الأول أو الجدل المحيط بها.
من أماته هو مناخ يجعل العالم موضع شبهة، والمجتهد هدفًا للتشويه، وصاحب الفكرة متهمًا حتى يثبت العكس. حين يضطر
صاحب موهبة أن يبحث عن التقدير خارج وطنه، فهذه خسارة جماعية لا فردية. العوضي قد يرحل كإنسان، لكن السؤال
سيبقى شاهدًا علينا جميعًا: كم عقلًا خسرناه لأننا فضلنا الهجوم على الحوار، والغيرة على الدعم، والاتهام على الإنصاف؟
ومن لا يتعلم من خسارة علمائه، سيبقى يكرر المأساة مع كل موهوب جديد




























