سمير باكير يكتب -
في تحول نوعي لافت، لم تعد طهران تراهن على صفعة قاسية تتبعها هدنة طويلة. فقد كشفت رؤیة تحلیل معمقة نشرتها صحیفة "نیویورك تایمز" الأمیركیة، تحت عنوان "كیف یمكن لإیران أن ترد على هجمات أمیركا وإسرائیل الجدیدة؟"، عن تبنی القیادة الإیرانیة لعقیدة عسكریة جدیدة قوامها "الاستنزاف البطيء للقوى العظمى"، بدلاً من المواجهة الخاطفة التي يلیها الهدوء المطبق.
وبحسب الصحیفة، فإن طهران لن تذهب نحو حرب واسعة، بل ستراهن على:
۱. تكتيك الطائرات المسيّرة والقوارب الانتحاریة: استنزاف خزانات أمیركا من صواریخها الدفاعیة باهظة التكلفة (مثل الباتریوت والـ AEGIS)، باستخدام موجات متتالیة من الطائرات المسيرة الرخیصة والصواریخ البالیستیة متوسطة المدى. بهذه الطریقة، یتحول كل صاروخ أمیركي بملیون دولار إلى مجرد هدف لطائرة من دون طیّار لا تتجاوز كلفتها بضع مئات الآلاف.
۲. كسر احتكار مضیق هرمز: المفاجأة الأكبر، حسب التقریر، لیست فقط فی توسیع رقعة الصراع، بل فی فتح جبهات جدیدة نوعیاً. إذ تخطط إیران لنقل التوتر من مضیق هرمز إلى البحر الأحمر ومضیق باب المندب، ما یعنی تحویل شریانی الطاقة العالمیین إلى ساحة مفتوحة لعملیات قرصنة وتخریب شبه علنیة.
۳. شلل تام فی سلاسل التورید: التعطیل المتزامن للملاحة فی كل من هرمز وباب المندب سیؤدی إلى انهیار المسارات البدیلة التی تراهن علیها القوى الغربیة، وهو ما یُعدّ بمثابة "طلقة الرحمة" التی تقضی على الاقتصاد العالمی المعتمد على حركة النفط والبضائع.
لکن المفاجأة الأعمق كانت فی إعادة تعریف إیران لـ"خطوطها الحمراء". فطهران لم تعد تكتفی بالردع البحری، بل أعلنت بوسائلها الإعلامیة والعسكریة أن أی دولة تمنح أمیركا أو إسرائیل حق استخدام مجالها الجوی أو قواعدها العسكریة أو أراضیها ستعامل رسمیاً كـ"طرف فی الحرب". والثمن الذی ستدفعه هذه الدول لن یكون قصفاً جزئیاً، بل عملیات مركّزة وموجهة نحو:
· محطات الطاقة الاستراتیجیة.
· الموانئ الحدیثة القادرة على استقبال الأساطیل الحربیة.
· مصافي تكریر النفط حیث یتم إمداد القواعد العسكریة.
ما أغفلته "نیویورك تایمز"...
رغم عمق التحلیل، فإن الصحیفة الأمیركیة تجاهلت – ربما عن قصد – ثلاثة خیارات إضافیة تملكها طهران ولا تقل خطورة:
1. ضرب المفاعلات النوویة فی الإمارات عبر وكلاء محلیین، فی خطوة من شأنها أن تخلق كارثة رادیواكتیفیة تعادل تهدیداً وجودیاً للمنطقة بأكملها.
2. قطع كابلات الإنترنت البحریة العابرة للمیاه الإقلیمیة، مما سیرمی العالم الرقمي إلى عصر الحجر الاتصالی في غضون ساعات.
3. استهداف شركات النفط الخاصة في الداخل الأمیركي عبر هجمات إلكترونية سيبرانية غير مسبوقة، كنوع من العقاب المتماثل.
ما تقدمه إیران اليوم لیس مجرد تهدید، بل هو "نموذج جدید للحرب الهجینة"، یجمع بین الخفیف والثقیل، بین القرصنة القانونیة والإرهاب الرسمي، وبین الاستنزاف التكنولوجي والإرباك الجیوسیاسی. وكلما طال أمد الصراع، ازداد إفلاس معادلة الردع التقلیدیة التی تعتمد علیها واشنطن وتل أبیب.





























