بقلم : اسماعيل بوقاسم
في لحظات التحول الفاصلة من تاريخ الأمم، تقاس رزانة النخب السياسية بمدى قدرتها على جس نبض الشارع وترجمة تطلعاته إلى مشاريع مجتمعية حقيقية. غير أن مشهدنا السياسي المنشغل بالمشاورات الجارية لتشكيل حكومة المنصوري يكشف عن فجوة هيكلية مقلقة، فجوة عميقة تفصل بين واقع مجتمعي يغلي تحت وطأة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وبين أروقة حزبية تدار فيها السياسة وكأنها صفقات لتقاسم "الغنائم" و المواقع.
لقد انحرفت المشاورات المفترض فيها أن تشكل تمرينا وطنيا يحكمه الحس المسؤول، وتحولت إلى ما يشبه "سوقا للمفاوضات" المهووسة بوزن الحقائب ونوعية المناصب. إنها حالة مرضية يصبح فيها الوصول إلى مراكز القرار غاية في حد ذاته، بدلا من أن يكون وسيلة لمواجهة الأزمات المركبة التي تكبل المبادرات الوطنية.
حين تتوارى البرامج الانتخابية و تتحول إلى هامش أو ملحق يعد على عجل بعد تقاسم الكعكة، يفقد العمل السياسي جوهر ممارسته الديمقراطية. فالتحالفات الحقيقية لا تبنى على الجمع الحسابي لمقاعد البرلمان، بل على التلاقح الفكري والالتزام المتكامل برؤية تنموية واضحة المعالم والآليات.
وفي الوقت الذي يغرق فيه صناع القرار الحزبي في حسابات الترقية والسيطرة على مفاتيح السلطة التنفيذية، يقف المواطن البسيط أعزلا أمام واقع لا يرحم، واقع يتسم باختناق القدرة الشرائية، وتآكل الطبقة الوسطى أمام موجات الغلاء المتواصلة، ونزيف منظومتي الصحة والتعليم اللتين تحتاجان إلى ثورة بنيوية لا إلى تدبير ترقيعي محكوم بمنطق الإرضاء.
إن هذا الانشغال المفرط بتوزيع الكعكة تقابله حالة الانتظار والتوجس لدى الشارع، مما يكرس انطباعا يزداد تجذرا بأن النخب الحزبية تعيش في كوكب آخر يدار ببوصلة المصالح الذاتية الضيقة.
إن افتتاح البرلمان، الذي تفصلنا عنه ساعات قليلة.. سيكون دون شك بوصلة ملكية لإعادة الترتيب والقطع مع منطق الغنائم وعقلية"لفراقشية".
تأتي هذه اللحظة لتضع الجميع أمام اختبار الحقيقة، حيث يرتقب أن يشكل الخطاب الملكي السامي، الذي سيعلنه العاهل المغربي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، الحد الفاصل والبوصلة الموجهة لمسار المشاورات السياسية، خطاب سيضع خطوطا حمراء أمام العبث السياسي، ويعيد ترتيب الأولويات الوطنية بعيدا عن صخب المزايدات.
إن إعادة الهيبة إلى الفعل السياسي تقتضي القطع الفوري مع منطق الريع والمنافع الحزبية. فالخطاب الملكي المرتقب سيمثل بلا شك المرجع والمنطلق لإلزام الطبقة السياسية بطرح برنامجها التعاقدي مع الهيئة الناخبة أولا على طاولة التفاوض، محصنا بأرقام دقيقة، ومقيدا بآجال زمنية، وقابلا للمحاسبة والقياس.
يجب على المؤسسات الحزبية أن تعي جيدا أن استمرار التعاطي مع الشأن العام بمنطق "لوزيعة" لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات. إن المرحلة الحالية، وأمام دقة التحديات والرهانات الوطنية التي سيسطرها الخطاب الملكي، لا تحتمل تكنوقراطية المناصب ولا توزيع الغنائم، بل تتطلب رجالات دولة يدركون أن التكليف مسؤولية أخلاقية وسياسية تقاس بمخرجاتها على أرض الواقع وبإمكانيات أثرها في حياة المواطنين، لا بحجم الحضور الشكلي في المشهد السياسي.





























