تندد بالقرارات اللاديمقراطية والمجحفة التي اتخذتها الحكومة في حق المواطنين
للمزيد من التضييق عليهم
باستغراب كبير، تابعنا كمكتب كونفدرالي منضوي تحت لواء الكونفدرالية العامة للشغل (CGT)، طبيعة القرارات اللاديمقراطية التي اتخذتها الحكومة في حق المواطنين، والتي كان آخرها التهديد بمنع الموظفين والمستخدمين من الولوج إلى مقرات عملهم واللجوء إلى الاقتطاع من الأجور، بسبب عدم خضوعهم لعمليات التلقيح، تحت ذريعة تعريض حياة زملائهم والمرتفقين للخطر. وبالمناسبة، نذكر مرة أخرى، أن هذا الإجراء يعد سابقة خطيرة لكون عملية إجبارية التلقيح تتعارض مع مقتضيات الدستور، كما تعد خرقا سافرا للمرسوم رقم 2.20.293 الصادر في 29 من رجب 1441 (24 مارس 2020) بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا كوفيد- 19، وعلى الخصوص، المادة 3 منه التي تنص على: "لا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين".
ومن باب التذكير، فقد سجلنا إبان انتشار الوباء تفاعلنا الإيجابي مع كافة التدابير الاحترازية المعتمدة من قبل السلطات الصحية بكثير من التعقل محكمين منطق المصلحة العامة وداعين إلى تغليب منطق العلم والبحث العلمي لإيجاد المخارج الموضوعية والواقعية لهذا الوباء، ومحذرين في نفس الوقت، من مغبة توظيف هذا الوضع المقلق للتضييق على ما تبقى من الحريات وقتل الممارسة الديمقراطية وتغليب منطق الزجر والعقاب والتنكيل.
كما سجلنا حينها، تخوفنا وقلقنا بخصوص بعض النوايا التي تستهدف الوظيفة العمومية وتعمل على تمييع عملها وتبخيس أدوارها والتنقيص من كفاءة أطرها وموظفيها. وها نحن اليوم، نؤكد على أن تقديرنا للأشياء كان في محله، وأن الإجراءات الأخيرة التي تم اتخاذها لا تستند على أية مرجعية قانونية أو دستورية، وهي مثال صارخ وحي للقضاء على الوظيفة العمومية، وضرب الحق في الشغل المكفول بمقتضى الدستور. ولعل ما يؤكد هذا الطرح، هو جملة التدابير والإجراءات التي أقدمت الحكومة على اتخاذها بشكل سريع وفي سباق مع الزمن لحرمان فئة عريضة من بنات وأبناء هذا الوطن من ولوج أسلاك الوظيفة العمومية، ألى وهو الإجراء المتعلق بتسقيف سن التوظيف بالنسبة للأساتذة المتعاقدين وحصره في سن 30 سنة، وكذا المنع من ولوج مقرات العمل والاقتطاع من الأجر لعدم الامتثال لعمليات التلقيح خلافا لعدد كبير من الدول المتقدمة التي تخلت عن كل التدابير الاحترازية التي أثبت العلم أنها لا تقي من انتشار الوباء، بما فيها عملية التلقيح.
وبالمقابل، نجد نفس الحكومة ورئيسها الذي اتخذ شعار "المغاربة يستاهلو أحسن" في حملته الانتخابية التي اعترتها الكثير من الشبهات من قبيل استعمال المال، وشراء الذمم، وإغراء ناخبين منتمين إلى أحزاب أخرى، وتصفية حسابات وصلت إلى حد الانتحار، في مشهد سياسي بئيس ومقزز، يساهم في النفور السياسي ويصور الأحزاب السياسية كتجار لسلع وبضائع بالية، تسابق الزمن لسحب مشاريع قوانين ذات أهمية قصوى من قبيل: قانون الإثراء الغير المشروع، والقانون القاضي بضمان حق الآباء في التغطية الصحية. وتغض الطرف في نفس الوقت، عن موضوع تسقيف المحروقات وهو الموضوع التي أثار جدلا كبيرا في عهد الحكومة السابقة، وخلقت من أجله لجن للبحث والتقصي بالبرلمان، وهو ما يطرح أيضا السؤال حول طبيعة عمل المؤسسة التشريعية وأدوارها ومآل المواضيع والمشاريع التي تعرض على نواب الأمة.
ناهيك، عن الأوضاع المعيشية الكارثية والمتسمة بالغلاء وارتفاع الأسعار التي ضربت في العمق القدرة الشرائية للمواطنين، وعلى الخصوص، ذوي الدخل المحدود في سابقة لم تشهد مثلها البلاد، وعرض شريحة واسعة من فئات المجتمع التي تعيش الهشاشة والحرمان والخصاص إلى العيش على القمامة والتسول، إضافة إلى التدهور الحاصل في جميع القطاعات الاجتماعية الحيوية، كالتعليم الذي أصبح ينتج البؤس، وقطاع الصحة الذي يفتقد إلى الشروط الدنيا للممارسة سواء من حيث الآليات أو الموارد البشرية والأطر الطبية، ومشاكل كثيرة ومتنوعة يعيشها عالمنا القروي من قبيل انعدام الطرق، والمستوصفات وانعدام البنية التحتية وتعاقب سنوات الجفاف والهدر المدرسي. ولعل ما زاد في فضح هذا الواقع البئيس بكل تجلياته، هي فاجعة "الطفل ريان" الذي نتقدم إلى أسرته بالتعازي وإلى كل المواطنين والدول والهيآت الوطنية والدولية التي شاركتنا هذا الحزن وهذا الجرح العميق الذي عرى واقعنا وفضح مسؤولينا ونقل لنا بالصوت والصورة الواقع اليومي لمواطنات ومواطنين يعيشون الفقر والتهميش والحرمان والخصاص، في الوقت الذي يتم صرف الميزانيات الباهظة بسخاء وبدون حسيب ولا رقيب على مشاريع واهية لا ننتج من وراءها إلا الفشل والتذمر.
اليوم، ونحن نتابع مآسي التدبير الارتجالي لهذه الحكومة اللاشعبية، يتجلى لنا بالوضوح تكريس سياسة التفقير والتنكيل والترهيب، إذ أن التهديد بالمنع من مزاولة العمل والإغلاق قد طال حتى فئة التجار، وهو الشيء الذي يستدعي الاستغراب ويدفع إلى طرح أكثر من سؤال حول الجهة التي تقف وراء هذه القرارات، وهل هذه القرارات بطبيعتها وتأثيرها السلبي على المواطنين لا تسير في اتجاه الرفع من وثيرة الضغط وبالتالي خلخلة السلم الاجتماعي الذي أصبح مهددا جراء هذه السياسات القمعية.
وباستحضار المشاهد المؤلمة والمقززة التي تعيش على وقعها شريحة من بنات وأبناء هذا الوطن، هاته المشاهد التي عرت واقعنا المؤلم وأسقطت الأقنعة عن الوجه الحقيقي للدولة التي تتغنى وترفع شعارات من قبيل "دولة الحق والقانون" و"الانتقال الديمقراطي" و"الجهوية الموسعة" و"التنمية المستدامة"، وكذا عن بؤس مشهدنا السياسي الذي يسمح باستباحة إذلال المواطنين وتحقيرهم.
بالفعل، إننا نؤكد على أن الوضع العام بالبلاد أصبح مقلقا وعلى جميع المناحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والفنية، في ظل سكوت غريب من طرف القوى الحية بالبلاد، وبتواطؤ مكشوف من طرف بعض الإطارات السياسية والنقابات التي تدعي الأكثر تمثيلية، والتي مع الأسف قايضت طبقتها العاملة المقهورة وعموم الشعب المغربي، بما يقدم لها من ريع وامتيازات ومناصب. وما يزيد من قلقنا وغضبنا هو السخاء والامتيازات التي تقدم للباطرونا التي لا هم لها سوى الاغتناء ومراكمة الثروة ولو حساب المقهورين ودون التحلي بروح المواطنة الحقة.
وانطلاقا من مبادئنا الراسخة في الدفاع على مصالح العمال والمأجورين وعموم الشعب المغربي، فإننا كمركزية نقابية قد سبق لنا أن نبهنا إلى السياسة الارتجالية الكارثية التي تنهجها الدولة في تدبيرها للشأن العام، والدفع به في اتجاه تأزيم الوضع وجعله قابلا للانفجار. وعلى هذا الأساس، فإننا نعتبر أن الدولة بتخليها عن دورها الاجتماعي، قد جعلت المجتمع يعيش على إيقاعات مختلفة، أقلية تستبيح الثروة والانسان، والبقية وهي الغالبية العظمى، تعيش كل أنواع الحرمان والخصاص، وهي بالمناسبة فئة مظلومة اجتماعيا، تحلم بتحسين وضعها الاجتماعي والمعيشي مجربة كل الوسائل والسبل حتى تلك المؤدية إلى الموت. والخطير في الأمر، هو أن النخبة القليلة التي لا زلت تؤمن بالديمقراطية وبالفعل السياسي كأذاة للتغيير وبالكفاءة والمعرفة كمعيارين محددين للارتقاء الاجتماعي، تعيش أزمة نفسية خانقة في ظل هذا الواقع المليء بالتناقضات مقابل إغراءات دول أجنبية قابلة لاحتضان هذه الطاقات مجانا.
إن هذا الواقع يضع الجميع أمام مسؤولياته التاريخية، ويضع حدا لكل الخطابات الصورية والديماغوجيات التي لم تعد تقنع أحدا، نتيجة تخلي الدولة عن مسؤولياتها، دولة تسمح لنفسها بأن يهان الأستاذ والطبيب والموظف والعامل وكل فئاته الحية، يهدر فيها العنصر البشري ولا تمتلك الإرادة لبناء مجتمع متوازن، يطرح من بين مهامه الجواب على تحديات العصر، وكذا على ضرورة الحفاظ على صورة المجتمع المغربي بتاريخه وخصوصيته وثرواته المادية واللامادية.
وبناء على كل ما سبق، فإن المكتب الكونفدرالي وهو يستحضر هذا الواقع البئيس بكل تعقيداته، فإنه يسجل ما يلي:
إدانته الشديدة للتضييق على الحريات الفردية والجماعية والترهيب تحت ذريعة عدم احترام التدابير الاحترازية المعتمدة من قبل السلطات الصحية وضرورة الامتثال لعمليات التلقيح، خلافا لطابها الاختياري كما صرحت بذلك الحكومة نفسها؛
يحمل الدولة مسؤولية ما ستؤول إليه الأوضاع جراء المنع من ولوج مقرات العمل والاقتطاع من الأجور؛
يدعو الحكومة إلى التدخل بشكل عاجل لمعالجة مشكل ارتفاع الأسعار وتسقيف سعر المحرقات؛
يدعو الحكومة إلى إيلاء العناية اللازمة بالعالم القروي الذي يعيش الحرمان والخصاص والهشاشة، واعتماد سياسات واضحة لمواجهة الجفاف وندرة المياه التي ستشكل إحدى المشاكل البنيوية بالمغرب وما سيترتب عليها من عواقب تتعلق بالهجرة سواء من القرى إلى الحواضر، مما سيضاعف من أحزمة الفقر بالمدن، أو إلى الخارج بطرق شرعية أو غير شرعية (قوارب الموت)؛
دعم القطاع الفلاحي والفلاحين الصغار في ظل تفشي ظاهرة الجفاف، وكل القطاعات الاجتماعية الحيوية الأخرى: التعليم، الصحة، الشغل، السكن، البحث العلمي، .... إلخ؛
أن موضوع تشكيل جبهة اجتماعية وحدوية مناضلة له راهنيته لمناهضة كل أشكال العنف والظلم والاستبداد، في ظل تقاعس وتواطؤ الإطارات النقابية التي تستبيح تشريد العاملات والعمال والإجهاز على مكتسباتهم.





























