أحياناً، لا تحتاج المرأة التي أنهكتها الحياة إلى وعود كبيرة، ولا إلى خطابات طويلة عن التضامن وحقوق النساء. كل ما تحتاج إليه هو إنسان يسمعها بصدق، ويمنحها بعضاً من وقته، ويعاملها بكرامة، ويساعدها على رؤية طريق الخروج من أزماتها.
اليوم، عشت تجربة جعلتني أعيد التفكير في معنى الدعم الحقيقي للنساء، وفي الدور الذي يفترض أن تؤديه الجمعيات التي ترفع شعار الدفاع عن المرأة وحقوقها.
سبق لي أن تحدثت هاتفياً مع رئيسة جمعية إنصات. لم أكن أعرفها شخصياً، ولم تكن تعرف عني الكثير. لكن أول كلمة استقبلتني بها كانت: «بنتي».
قد تبدو هذه الكلمة بسيطة في نظر البعض، لكنها بالنسبة إلى امرأة راكمت تجارب صعبة، واضطرت في محطات كثيرة من حياتها إلى مواجهة الأزمات بنفسها، كانت بداية مختلفة. شعرت بأنني أمام امرأة تستقبلني بقدر من الدفء والإنسانية، لا أمام شخص يتعامل مع ملف أو رقم أو حالة اجتماعية.
واليوم، تشرفت بلقائها وجهاً لوجه. تحدثنا طويلاً، ووجدت أمامي امرأة تستمع، وتناقش، وتحاول فهم المشكلة، وتقدم ما تستطيع من توجيهات وحلول عملية.
غادرت اللقاء وأنا أشعر بأنني حصلت على مساحة من الراحة النفسية، وكأنني جلست مع مختصة في الاستماع والتوجيه تساعدني على ترتيب أفكاري ورؤية الأمور من زوايا مختلفة. لم يكن الأمر متعلقاً بالمال، ولم يكن دعماً مادياً بالضرورة، بل كان دعماً إنسانياً ومعنوياً، من النوع الذي تحتاج إليه المرأة حين تشعر بأنها تواجه الحياة وحدها.
وهنا أدركت مرة أخرى أن الدعم الحقيقي لا يبدأ دائماً بالمال؛ أحياناً يبدأ بكلمة صادقة، وبأذن تصغي، وبعقل يبحث عن الحلول، وبإنسان لا يزيد جراح المرأة جراحاً أخرى.
من تجربتي الشخصية إلى مساءلة واقع الجمعيات
لن أخفي أن تجربتي الشخصية جعلتني أحمل كثيراً من الشكوك تجاه بعض الجمعيات النسائية. فمن خلال ما عشته وما عاينته، تكون لدي انطباع بأن بعض المؤسسات التي تعلن الدفاع عن حقوق المرأة لا تصل خدماتها دائماً إلى النساء الأكثر حاجة إليها.
لقد اضطررت في مراحل مختلفة من حياتي إلى الاعتماد على نفسي، ومواجهة مشكلاتي دون أن أجد الدعم الذي كنت أحتاج إليه. وهذا ما جعلني أتساءل مراراً: أين تذهب المرأة عندما تفقد السند؟ وإلى من تلجأ عندما تتعرض للعنف أو الاستغلال أو الاغتصاب أو الطرد من بيت الزوجية؟ ومن يحمي المرأة التي لا تملك المال، ولا تجد مكاناً آمناً تنام فيه، ولا تستطيع تحمل تكاليف المحامي أو العلاج النفسي؟
لا أطرح هذه الأسئلة من باب التعميم أو إنكار المجهودات التي تقوم بها جمعيات جادة ونساء مخلصات في العمل الحقوقي، بل من باب المطالبة بمراجعة واقع الدعم النسائي، والتفريق بين العمل الذي يحقق أثراً حقيقياً في حياة النساء، والعمل الذي يظل محصوراً في الشعارات والأنشطة الشكلية.
فالمرأة التي تعيش وضعية هشاشة لا تحتاج إلى أن تسمع فقط أن لها حقوقاً؛ إنها تحتاج إلى من يساعدها على الوصول إلى تلك الحقوق، ويفتح أمامها باباً آمناً حين تُغلق الأبواب في وجهها.
ماذا تعلمت من تجارب الدنمارك وبلجيكا وإسبانيا؟
من خلال الدورات التكوينية والتجارب التي اطلعت عليها في الدنمارك وبلجيكا ومدينة مالاغا الإسبانية، تعرفت على نماذج ومقاربات للاهتمام بالنساء اللواتي يواجهن العنف أو الإقصاء أو فقدان السكن والدعم.
وقد جعلتني هذه التجارب أفكر في الفرق بين الحديث عن حقوق المرأة وبين بناء منظومة عملية لمساندتها عندما تصبح في مواجهة مباشرة مع الخطر أو الفقر أو الوحدة.
إن المرأة التي تُطرد من بيت الزوجية، أو تتعرض للعنف، أو تجد نفسها بلا مأوى، لا يمكن أن نطالبها ببناء مستقبلها بينما لا تعرف أين ستنام في تلك الليلة. والمرأة التي تحمل آثار الاعتداء أو الإهانة لا يكفي أن نخبرها بأن عليها أن تكون قوية؛ بل يجب أن نوفر لها بيئة آمنة، ودعماً نفسياً واجتماعياً، ومواكبة قانونية، وفرصة لاستعادة استقلالها وكرامتها.
ومن هنا، أطرح سؤالاً يستحق النقاش في مجتمعنا المغربي: لماذا لا نعمل على تطوير مراكز متخصصة لإيواء النساء في وضعية هشاشة، ضمن منظومة متكاملة تجمع بين الحماية والمواكبة النفسية والقانونية والاجتماعية؟
لماذا لا تتعاون الجمعيات الجادة، والجهات المختصة، والفاعلون الاجتماعيون، من أجل توفير فضاءات آمنة للنساء وأطفالهن، مع احترام خصوصيتهن، ومساعدتهن على تجاوز الأزمات وبناء حياة مستقلة؟
إن مركز الإيواء ليس مجرد بناية تضم غرفاً وأسرة. إنه فضاء لاستعادة الأمان، ومحطة انتقالية تساعد المرأة على استرجاع ثقتها بنفسها، وفهم حقوقها، والوصول إلى الخدمات الضرورية، والاستعداد لمرحلة جديدة من حياتها.
نحتاج إلى جمعيات تفتح أبوابها، لا إلى شعارات فقط
إن الدفاع عن المرأة ليس مناسبة موسمية، ولا صورة تلتقط في نشاط، ولا خطاباً يقال أمام الكاميرات. إنه مسؤولية يومية تتطلب الإصغاء، والكفاءة، والاستمرارية، والشفافية في تدبير الموارد، والقدرة على الوصول إلى النساء اللواتي لا يعرفن إلى أين يتوجهن.
نحتاج إلى جمعيات تمتلك الكفاءة والخبرة القانونية والاجتماعية، وتعمل وفق برامج واضحة، وتعرف كيف توجه المرأة إلى الخدمات المتاحة، وكيف تتعامل مع الحالات المستعجلة، وكيف تحمي خصوصية النساء اللواتي يطلبن المساعدة.
ونحتاج أيضاً إلى أن تكون موارد الجمعيات وسيلة لتحقيق أثر ملموس، وأن تكون هناك آليات للتقييم والمساءلة، حتى نتمكن من معرفة ما إذا كانت الجهود المبذولة قد ساهمت فعلاً في حماية النساء وتحسين أوضاعهن.
أما المرأة التي تأتي مثقلة بالخوف والخذلان، فلا ينبغي أن تُستقبل بالتشكيك أو اللوم أو الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. إنها تحتاج إلى معاملة تحفظ كرامتها، وإلى توجيه صادق، وإلى خطوات عملية تناسب وضعها.
إلى رئيسة جمعية إنصات… شكراً لأنك منحتني فرصة للحديث
لا أكتب هذا المقال من أجل المجاملة، ولا لأمنح شهادة نهائية عن مؤسسة لم أختبر جميع جوانب عملها. أكتبه لأن تجربتي في التواصل واللقاء مع رئيسة جمعية إنصات تركت في نفسي أثراً إيجابياً يستحق أن أعبّر عنه.
لقد ذكّرني هذا اللقاء بأن وراء العمل الجمعوي أشخاصاً يمكن أن يصنعوا فرقاً حقيقياً في حياة الآخرين، ليس بالضرورة لأنهم يمتلكون كل الحلول، بل لأنهم يعرفون كيف يستمعون، ويحترمون الإنسان، ويحاولون مساعدته بما يتوفر لديهم من معرفة وخبرة.
إن كلمة «بنتي» التي استقبلتني بها هاتفياً، ثم الحوار الذي جمعنا اليوم، جعلاني أشعر بقيمة الدعم الذي لا يُشعر المرأة بأنها عبء على الآخرين، ولا يجعلها تندم على طلب المساعدة.
وأتمنى أن تتحول هذه التجربة الإيجابية إلى بداية تعاون أوسع، وأن أجد في العمل الحقوقي والجمعوي شركاء حقيقيين يمكن أن نلتقي معهم حول هدف واضح، هو الدفاع عن النساء ومساندتهن بكرامة ومصداقية.
حلمي الذي أريد أن أحمله إلى المستقبل
لدي حلم أريد أن أعمل من أجله: المساهمة في إحداث مركز لإيواء النساء في وضعية هشاشة، يكون فضاءً آمناً للنساء اللواتي تعرضن للعنف أو الطرد أو الإقصاء، ولمن لا يجدن مأوى أو دعماً يساعدهن على تجاوز ظروفهن الصعبة.
لا أريد أن يبقى هذا الحلم مجرد فكرة أكتب عنها، بل أطمح إلى تحويله إلى مشروع قابل للتنفيذ، من خلال التعاون مع جمعيات جادة، وخبراء في المجال القانوني والاجتماعي، ومؤسسات قادرة على المساهمة في توفير الموارد والخدمات الضرورية.
وأنا مستعدة لمواصلة التعلم والعمل والتنسيق مع كل جهة تتقاسم معي هذا الهدف، حتى يصبح الدفاع عن كرامة المرأة عملاً ملموساً، لا مجرد شعار.
لقد علمتني الحياة أن المرأة تستطيع أن تقاوم كثيراً، لكن هذا لا يعني أنه ينبغي أن تُترك وحدها في كل مرة. فالقوة الحقيقية للمجتمع لا تُقاس بعدد الخطابات التي يلقيها عن حقوق المرأة، بل بقدرته على حماية المرأة حين تصبح في أمسّ الحاجة إلى الحماية.
رسالتي اليوم واضحة: نريد جمعيات حقيقية، ودعماً حقيقياً، ومراكز إيواء تحفظ الكرامة، ومقاربات تجعل المرأة في وضعية هشاشة إنسانة لها حقوق، وليست مجرد ملف ينتظر المعالجة.
وأتمنى أن أجد يوماً الشركاء الذين أستطيع أن أحمل معهم هذا المشعل، وأن أحول تجربتي الشخصية وإيماني بالعمل الحقوقي إلى مشروع يفتح باب الأمل أمام نساء أخريات.
لأن المرأة التي وجدت من يسمعها قد تستعيد قدرتها على الوقوف، والمرأة التي تستعيد قدرتها على الوقوف يمكن أن تصبح بدورها سنداً لنساء أخريات.
بقلم: جليلة صادق ناشطة حقوقية ومراسلة صحفية






























